الثالثة : لو ادّعى على شخص القتل منفرداً ، ثمّ ادّعى على آخر ،
لم تسمع الثانية ، برأ الأوّل أو شركه ؛ لإكذابه نفسه بالدعوى الأولى . وفيه للشيخ قول آخر .
شرح
فيعلم إجمالًا اشتغال ذمّته بها أو اشتغال ذمّة العاقلة ، وقد مرّ أنّه وإن جاز لكلّ منهما في نفسه إجراء أصالة البراءة وعدم الاعتناء بدعوى المدّعي لعدم دليل حاكم على الأصل عنده ، إلّاأنّه إذا انتهى الأمر إلى الحاكم فلاحظَ دعوى المدّعي وظهر له أنّ إجراء الأصلين سببٌ لبطلان دم المرء المسلم لزمه أن يحكم بالصلح أو التوزيع أو القرعة ، كما مرّ .
وبعبارة أخرى : الأصل الجاري في حقّ كلّ من القاتل والعاقلة وإن لم يكن بنفسه ضرريّاً مخالفاً لحكم متوجّه إليه ، إلّاأنّ جريان الأصلين معاً ضرريّ بالنسبة إلى المدّعي ؛ فليس للحاكم إلّالحاظ حال الطرفين .
قوله : ( الثالثة : لو ادّعى على شخص القتل منفرداً ثمّ ادّعى على آخر ، لم تُسمَع الثانية . . . ) .
لا إشكال في أنّ الدعوى الثانية تناقض الدعوى الأولى ؛ إذ القتل الصادر من شخص واحد لا يكون قتلًا صادراً من آخر ، ولا صادراً منهما بالاشتراك .
ثمّ إنّ الدعوى الثانية إمّا أن تصدر منه بعد مراجعته في الأولى إلى الحاكم وقضاء الحاكم فيها ، أو تصدر منه قبلها . وعلى التقديرين إمّا أن تصدّقه المدّعى عليه في الثانية وتعترف بالقتل ، أو تكذّبه وتنكره .
وعلى تقدير المراجعة في الأولى فإمّا أن تكون النتيجة هي كون المدّعى عليه محكوماً بصدور القتل منه أو محكوماً بالبراءة ؛ فالمسألة ذات صور .
لا إشكال في عدم سماع الدعوى الثانية بعد حكم الحاكم في الأولى ، حتّى فيما لو حكم ببراءة الأوّل من القتل وفرض اعتراف الثاني به ؛ فإنّه مكذّب نفسه في الثانية بدعواه الأولى ، مضافاً إلى أنّ حكم الحاكم فيها لا ينقض بالثانية ، واعتراف المدّعى عليه وإن كان حجّة على المدّعي كبيّنته ، إلّاأنّ الحجّة المكذوبة من ناحية المحتجّ لا تكون حجّة .