شرح
إجراء الأصلين ، والعلم الإجمالي بمخالفة الواقع غير قادح هنا ، كما أنّ قاعدة نفي الضرر أيضاً غير مانعة عن جريانه ؛ لعدم علم كلّ منهما بكون الإضرار من قِبله ، فهو نظير ما إذا أراد المالك التصرّف في داره ، فإنّه قد يكون سبباً لتضرّر جاره قطعاً ، فيمنع عنه للقاعدة ، وقد يكون الضرر حاصلًا بتصرّفه أو تصرّف جاره الآخر مع الجهل بالواقع ، فقاعدة سلطنة كلّ منهما لا يعارضها نفي ضرر الجار لعدم علمه بذلك . فالمقام من قبيل واجدي المنيّ في الثوب المشترك في جريان الأصل بالنسبة إلى كلّ منهما ، فلا يجب عليهما تسليم النفس للقصاص إذا كان المدّعى القتل عمداً ، ولا بذل الدية للوليّ إذا ادّعى وقوعه خطأ .
نقول : إنّ الأمر كذلك إذا لوحظ حال كلّ منهما في نفسه قبل انتهاء الأمر إلى الحاكم ، وأمّا بعد ذلك فلا ؛ فإنّ الحاكم بعد اعتراف المتّهمين عنده أو قيام بيّنة المدّعي لديه يرى أنّ في إجراء أصلي المتّهمين ضرراً بالنسبة إلى المدّعي ، وإبطالًا لحقّه ودم المسلم ، كما أنّه يرى أنّ في أخذهما معاً وحملهما على الاحتياط الذي هو مقتضى الحجّة الإجماليّة إضراراً بالنسبة إليهما ، فلا محيص له عن الرجوع إلى التوزيع أو القرعة كما ذكره بعض الأصحاب . وهذا نظير عكس المسألة ، وهو ما لو علم شخص باشتغال ذمّته لأحد شخصين ، فإنّه لا يجب عليه الاحتياط بدفع المقدار المعلوم إلى كلّ منهما ؛ لأنّه ضررٌ عليه ، وليس له إجراء البراءة بالنسبة لكلّ واحدٍ منهما ، فإنّه ضررٌ عليهما ، فيوزّعه عليهما ، أو يقرع بينهما .
ومن هنا يعلم أنّه لا فرق بين المقام وبين قيام بيّنتين على الشخصين ، كما في الجواهر ، قال :
وفرق واضح بين المقام وبين قيام بيّنتين على شخصين الذي قيل فيه إنّهم ذكروا توزيع الدية عليهما عملًا بالبيّنة ، ضرورة اقتضاء كلّ منهما وجوبها على معيّن ولا ترجيح ، فليس إلّاالتوزيع كقسمة العين النصف بين المتداعيين عند تعارض البيّنتين . « 1 »
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 42 ، ص 196 .