شرح
اقتضاء لثبوت الدية في مال العامد ابتداءً كما في شبيه العمد ، أو في المرتبة الثانية كما في العمد المحض حتّى تكون الصباوة مانعة عن ثبوتها في ذمّته صارفة لها إلى ذمّة العاقلة .
وأمّا قوله في الصحيح : « عَمد الصبي وخطؤه واحد » ، فليس المراد إلّاكون عَمده كالخطأ ، لا العكس ، وإن كان ظاهر العبارة لا يأبى عنه .
وهل يختصّ الفعل فيه أيضاً بما يجري فيه القصاص ، فالقتل أو الجرح الصادر عن الصبيّ عمداً كالصادر عنه خطأ محضاً ، أو يشمل ما يثبت فيه الدية في مال العامد أيضاً ، فإذا صدر عنه شبه العمد كان كالخطأ المحض ، فلا دية في الصورتين في ماله ، بل على العاقلة ، أو يعمّ الأفعال المترتّبة عليها الحدود أيضاً ، فتكون المعاصي الصادرة عنه عن عَمد المستلزمة للحَدّ كالصادرة خطأً لا يترتّب عليها حَدّ أو تعزير خاصّ بالمكلّفين ؟
وجوه ؛ لا يبعد الثاني ، بمعنى كون المراد خصوص باب الجناية وتنزيل عمد الصبيّ محضاً أو مشبّهاً بالخطأ منزلة الخطأ المحض ، كما هو ظاهر الموثّق .
ثمّ إنّه يُعرف ممّا ذكرنا تقدّم هذه النصوص على عمومات الكتاب والسُّنّة وإطلاقاتهما الحاكمة بالقصاص في غير المكلّف أيضاً ، إلّاأنّ تقدّم النصوص الخاصّة عليها على نحو التخصيص والتقييد ، والنصوص العامّة على نحو الحكومة ، ولولا ذلك لم يكن وجهٌ لتقدّمها ؛ لكون النسبة بين قوله : « رفع القلم عن الصبيّ والمجنون » ، وقوله تعالى : « الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى » ، « 1 » وقوله : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » « 2 » مثلًا عموماً من وجه ، كما هو الحال عند مقايسته مع كلّ واحدٍ من أدلّة الأحكام التكليفيّة الإلزاميّة والوضعيّة من العقود والإيقاعات ونحوها ، فحديث رفع القلم ناظر إلى الأحكام الشاملة عليهما بعموم أدلّتها ومفسِّرٌ لها وحاصرٌ لها بغير الفريقين ، أو هو ناظر إلى رفع مؤاخذتها المستلزم لرفع أنفسها ، فلا تلاحظ النسبة بينه وبينها .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 178 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 45 .