شرح
والخبران يدلّان على الرفع العامّ الشامل للمقام ، سواء أريد من المرفوع الحكم كما استفاده بعضٌ ، أو المؤاخذة كما ذكره آخرون ؛ فحكم القصاص وتجويز قتلهما أو مؤاخذتهما على القتل مرفوعٌ عنهما .
وعلى أيّ تقدير فالعموم مخصّص ؛ إذ لم يرفع عنهما جميع الأحكام التكليفيّة ولا جميع الأحكام الوضعيّة ، كما أنّه لم يرفع عنهما جميع المؤاخذات الدنيويّة ، كالتعزيرات والضمانات ونحوها .
وقوله في الخبر الثاني : « عمدهما خطأ » إمّا ناظر إلى مرحلة الاقتضاء وأنّ فعلهما لا اقتضاء له لجعل الإلزام أو المؤاخذة عليه ، فهو كالفعل الصادر خطأً محضاً من البالغ العاقل ، فيكون قوله : « تحمله العاقلة » وقوله : « وقد رفع عنهما القلم » معلولين له وبياناً لثبوت الدية على العاقلة ؛ إذ لا يمكن إبطال الدم وارتفاع التكليف أو المؤاخذة عنهما . أو إشارة إلى عدم جعل الحكم في حقّهما والمؤاخذة عليهما كالفعل الخطائي من المكلّف ، فيكون قوله : « وقد رفع » علّة له وبمنزلة الكبرى .
ومنها : صحيح محمّد بن مسلم ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام ، قال : « عَمد الصبيّ وخطؤه واحد » . « 1 »
ومنها : موثّق إسحاق بن عمّار ، عن جعفر ، عن أبيه عليهم السلام قال : « إنّ عليّاً عليه السلام كان يقول : عَمد الصبيان خطأ تحمله العاقلة » . « 2 »
والمراد في هذا الخبر بعَمد الصبيان الفعل الصادر عن عَمد ، والظاهر شموله بالعَمد المحض والعمد الشبيه بالخطأ ، فلا يترتّب القصاص على عمده المحض ، ولا دية في ماله على شبه عَمده ؛ بل تثبت الدية في كلا المقامين على العاقلة .
وبعبارة أخرى : ذكر قوله : « تحمله العاقلة » قرينة على أنّ المراد بالعَمد هو الفعل الذي له
هامش
( 1 ) . تهذيب الأحكام ، ج 10 ، ص 233 ، ح 920 ؛ وسائل الشيعة ، ج 29 ، ص 400 ، ح 35859 .
( 2 ) . تهذيب الأحكام ، ج 10 ، ص 233 ، ح 921 ؛ وسائل الشيعة ، ج 29 ، ص 400 ، ح 35860 .