شرح
وبقوله تعالى : « وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ » « 1 » لدلالته على أنّ السحرة لم يقدروا على الإضرار بأحد بالسِّحر ، فلا شيء واقعي هناك ، بل كلّ مرئيٍّ أو مسموعٍ أو غيرهما منسوب إلى السحر من ضررٍ وغيره ، فهو تخيّلٌ وتوهّم . وعلى هذا فالاستثناء منقطع ، والمعنى : لكن قد يصدر ضرر بإذن اللَّه ومشيّته .
وبما روي عن عائشة أنّها قالت : سحر رسول اللَّه فلم يعمل فيه السحر .
وبأنّه لا يصحّ ولا يصلح أن يؤثّر فعل أحدٍ في غيره وليس بينه وبينه اتّصال ، فكيف يفعل من هو ببغداد فعلًا ويؤثّر فيمن هو بخراسان أو في أبعد منها ؟ وكيف يعقد حينئذٍ ويُرقى ويسحر ويقتل ويمرض .
وأمّا قوله : « وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ » « 2 » فالذي منعنا منه التأثير الواقعي ، وأمّا الموهوم المتخيّل فيمكن أن يعمل به الساحر ويعلمه لغيره . « 3 »
وعنه قدس سره في تبيانه :
كلّ شيء خرج عن العادة الجارية لا يجوز أن يتأتّى من الساحر ، ومن جوّز للساحر شيئاً من هذا فقد كفر ؛ لأنّه لا يمكنه مع ذلك العلم بصحّة المعجزات الدالّة على النبوّة ، لأنّه أجاز مثله من جهة الحيلة والسحر . « 4 »
أقول : قد عرفت الأقسام العشرة التي ذكرناها آنفاً ، ودعوى بطلان جميع الأقسام باطلة كما سيأتي .
وأمّا ما ذكره من الاستدلال بالآيتين الأوليين ، ففيه :
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 102 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 102 .
( 3 ) . الخلاف ، ج 5 ، ص 327 - 329 ، مسألة 14 ، مع تصرّف في الألفاظ .
( 4 ) . التبيان ، ج 1 ، ص 374 .