شرح
الحكم بهم الآن أيضاً ؛ فإنّ استصحاب بقاء الحكم جارٍ ، على إشكال فيه ذُكر في محلّه ؛ مع أنّ نقل حكم من التوراة إلى القرآن العزيز يفيد كونه حكماً مشروعاً لهذه الامّة أيضاً ، وإلّا لبيّن تعالى نَسْخه ، ولهذا نظائر في الكتاب الكريم ؛ مع أنّ في النصوص الآتية في دليل المسألة غنىً وكفاية في إثباتها لهذه الامّة .
وقوله : « أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » الباء للبدليّة ، والمقدّر في كلّ واحدٍ من العناوين المذكورة ما يناسبها من الفعل الواقع عليه ، فالمعنى : أنّ النفس تقتل بدل النفس ، والعين تفقأ بدلها ، والأنف يُجدع بدله ، والاذن تصلم ، والسّن يقلع .
وظاهر الكلام حينئذٍ وجوب القصاص بالمماثل ، أي النفس تُقتل بالنفس وجوباً . فإن قلنا بأنّ الآية حكاية عن حكم التوراة المنسوخ في هذه الشريعة فهو ، وإلّافاللّازم الحمل على الترخيص ، فمعنى أنّ النفس تُقتل بالنفس أنّ للوليّ قتلها بدل المقتولة ، فمفاد الآية حينئذٍ جعل الإباحة التكليفيّة للقصاص ، وهو لا ينافي ما ذكر في قوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً » « 1 » من جعل السلطنة الوضعيّة للوليّ من آثارها ثبوت الترخيص له في القصاص والعفو عنه بلا عوض أو معه ، فهذه الآية حاكية عن بعض آثار الحكم المستفاد من تلك الآية .
وعن الضحّاك : أنّه لم يجعل في التوراة دية في نفسٍ ولا جرح ، وإنّما كان العفو أو القصاص . « 2 »
وقوله : « الْجُرُوحَ قِصَاصٌ » أي أنّ الجروح ذو قصاص ، أو هي مقتصٌّ بها بما يماثلها .
ثمّ إنّه قد مرّت الإشارة إلى أنّه يستفاد من قوله : « النَّفْسَ بِالنَّفْسِ » وكذا من كلّ من الجملات المذكورة في الآية الشريفة قاعدة كليّة عامّة ، فمطلق النفس تقتل بمطلق النفس ،
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 33 .
( 2 ) . مجمع البيان ، ج 3 ، ص 344 ؛ تفسير الآلوسي ، ج 6 ، ص 150 .