شرح
ورابعاً : أنّه لولا القصاص لعزم أولياء المقتول أيضاً على القتل والانتقام من القاتل ، وكثيراً ما قتلوا غيره مكانه من أقاربه ونحوهم إذا لم يمكنهم قتله ، أو قتلوا أكثر من نفس واحدة إذا استلزم قتله ذلك ، وقد يقدِمون مضافاً إلى القتل على إتلاف الأموال غير المباحة في جزاء القتل الأوّل . وبالجملة مفاسد عدم القصاص كثيرة جدّاً ، ويرتفع كلّ ذلك بالقصاص ، فيرى بذلك أولياء المقتول استيفاء حقّهم وشفاء غيظهم ، فتسكن أنفسهم وتطمئنّ قلوبهم ، مع أنّه لا تثور بذلك عداوة أولياء المقتصّ ، فإنّهم يرون ذلك حقّاً لهم في وجدانهم أوّلًا ، ويرون الإقدام على المقابلة أيضاً سبباً لقتل آخر ثانياً .
والمحصّل : أنّ القصاص سببٌ لانتهاء الحادثة الواقعة عند الطرفين ، وعدم بقاء حقّ وحجّة لأحدهما على الآخر في تعقيب الأمر وإثارة الفساد ، ويكون ذلك سبباً لسقوط عقاب الآخرة عن القاتل أيضاً ، فإنّ قتله كفّارة لذنبه ، واللَّه تعالى أجلّ شأناً من أن يعاقب المجرم بجرمٍ واحد مرّتين ، كما ورد في النصوص .
ثمّ إنّ في نداء اولي الألباب بعد ذكر الحكم تبيان أنّه حكمٌ سامي الحقيقة ، بعيد الغور ، وسيع الحكمة ، غفير المنافع ، شامل الصلاح ، ينبغي أن يتوجّه إليه أصحاب الألباب ، وأرباب العقول ، وذووا النُّهى ، وأولوا الحجى ، حتّى يتعقّلوا بعض ما فيه ؛ لأنّه ما أوتي الناس من العلم إلّاقليلًا ، ولذلك ترى أغلب مدّعي العلم والسياسة والكياسة من أهل الدُّنيا غير المسلمين المتسلّمين له من قِبل أمر الدِّين لم يدركوا ما فيه من المصالح إلى الآن ، فأنكروا ذلك ، ولم يقبلوه ، ولم يصوّبوه في تقنيناتهم الحكوميّة ودساتيرهم الدوليّة .
2 . قوله تعالى : « وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ » . « 1 »
وقوله : « وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا » أي أثبتنا على اليهود في التوراة ، وهذا لا يستلزم اختصاص
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 45 .