شرح
لكنّه خلاف ما عليه أكثر الأصحاب ؛ لأصالة عدم اشتراط استيفائه ، ولقوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً » . « 1 »
وعلى أيّ تقدير فمقتضى العموم في القتلى والإطلاق في القصاص إيجاب القصاص لكلّ مقتولٍ عن كلّ قاتلٍ ، ولو قتل المسلم الكافر أو الحُرّ العبد أو الأب الابن فالتخصيص يحتاج إلى دليل مخرج .
[ الأمر ] الثاني : أنّه يظهر من اللغويّين « 2 » أنّ معنى الكتب والكتابة في أصل اللّغة ضَمّ شيء إلى شيء بالخياطة ، ثمّ استعمل في ضَمّ الحروف والألفاظ بعضها إلى بعض في الخطّ ، وهذا أيضاً صار معنىً حقيقيّاً للّفظ ، بل لعلّه أكثر استعمالًا من الأوّل . وقد يستعمل قليلًا في ضَمّ الحروف بعضها إلى بعض في التكلّم ، ومن هذا القبيل إطلاق الكتاب على الألفاظ قبل أن يكتب ، كقول عيسى عليه السلام : « إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِي الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً » . « 3 »
ويستعمل الكتاب كثيراً في تصويب الحكم وتثبيته بنحو القانون الكلّي ، كما هو المتعارف في المجالس المقنّنة في المجامع البشريّة ؛ فإن كان المنشأ المصوّب حكماً تكليفيّاً ، إلزاميّاً أو ندبيّاً ، كانت النتيجة وجوب متعلّقه على المكلّفين أو استحبابه ، كقوله تعالى : « كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ » ؛ « 4 » و « كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِتَالُ » ، « 5 » وإن كان حكماً وضعيّاً ثبت ذلك ولزم ترتيب آثاره ، فيصحّ أن يقال : كتب عليكم طهارة الماء ونجاسة الميتة .
وعلى هذا : فإمّا أن يُراد بكتابة القصاص إيجابه وإلزامه ، أو إباحته وترخيصه ، أو تسلّط الوليّ على استيفائه . ومقتضى ما عرفت من صراحة قوله تعالى : « فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً »
هامش
( 1 ) . الإسراء ( 17 ) : 33 .
( 2 ) . معجم مقاييس اللغة ، ج 5 ، ص 158 ؛ لسان العرب ، ج 1 ، ص 698 ( كتب ) .
( 3 ) . مريم ( 19 ) : 30 .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 183 .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 216 .