تخطي إلى المحتوى الرئيسي

التعليقة الإستدلالية على شرائع الإسلام — صفحة 362

مساهمون:

ص٣٦٢
شرح
ثمّ إنّه قد تُحمَل الآية الشريفة على خصوص ما وقع من النبيّ صلى الله عليه وآله وأصحابه من تمكّنهم في السنة السابعة من الهجرة بالحجّ ، بدل ما منعوا منه في السنة السادسة ، وهي عام الحديبيّة ، حيث هجم عليهم المشركون في شهر ذي العقدة وهم مُحرِمون للحجّ ، فرموهم بالسِّهام والحجارة ؛ فمعنى الآية : أنّ الشهر الحرام وهو ذو الحجّة في السنة السابعة ، وقع في مقابل الشهر الحرام وهو ذو القعدة في السنة السادسة . والمراد بالحرمات حينئذٍ حرمة الشهر والبلد والإحرام والمسجد المهتوكة في السنة السابعة ، فهي قوبلت بوقوعها تامّة كاملة في اللاحقة . هذا المورد لا يخصّص الوارد ، فمعنى الآية الشريفة أنّ هتك الشهر الحرام والقتال فيه يُقابل بمثله ، والقتل الواقع فيه يُجازى بالقتل فيه ، فابتداء القتال فيه وكذا القصاص والمقاتلة بالمثل فيه إذا وقع الابتداء به في غيره وإن كان حراماً كما كان متعارفاً قبل الإسلام أيضاً ، لكنّه إذا شرع بالقتال فيه جاز القصاص والمقابلة بالمثل فيه أيضاً . وكذا لو قلنا بحرمة إجراء الحدود والتعزيرات في الأشهر الحُرُم ، إذا تحقّقت أسبابها في غيرها ، يجوز ذلك فيها إذا تحقّقت فيها . وقوله : « وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ » جملةٌ شاملة للزمان المحرّم ، والمكان المحرّم كالحرم والمسجد ؛ فمن قاتل في الحرم أو قتل فيه يجازى بالمثل فيه ، كما قال تعالى : « وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ » . « 1 » وقوله : « فَمَنْ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا » كلامٌ عامّ يشمل ما شملته الجملات السابقة عليه من الحرمات الزمانيّة والمكانيّة ، ويشمل ما لا تشمله أيضاً ؛ فمفاده حكمٌ عامّ وقاعدة كليّة تشمل كلّ اعتداءٍ وتجاوز وابتداء معاقبة من القتل والقطع والجرح وهتك العِرض وإتلاف المال ، فإنّ كلّ ذلك اعتداءٌ على المؤمن يُقابَل باعتداءٍ مثله .
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 191 .