شرح
ويمكن على بُعد كون المراد بالموصول الجاني الذي صالحه الوليّ على المال ، فالمعنى :
أنّ من عفى الدِّية بمعروف ولم يؤخّر أقساطها ، وأصلح بينه وبين الوليّ بذلك ، فهو مأجورٌ كما يأتي في ذيل الآية 49 من سورة المائدة .
3 - قوله تعالى : « وَلَمَنْ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ » « 1 » .
قد مضى معنى الانتصار ، والمعنى : من أراد الانتصار والانتقام من قاتله بالقصاص ، فلا سبيل للاعتراض والإيذاء عليه ؛ فقد فعل أمراً سائغاً .
ثمّ إنّ الآيات الثلاث تشترك في الدلالة على مشروعيّة القصاص ، لكنّها مختلفة المؤدّى في كيفيّة بيان الحكم .
فالأولى تدلّ على رجحان القصاص أو وجوبه من حيث كونها مسوقة في مقام توصيف المؤمنين ، وأنّهم يتوكّلون على اللَّه ، ويجتنبون الكبائر ، ويغفرون عند الغضب ، وينتصرون عند البغي .
والآية الثانية تدلّ على تحديد الحكم المجعول بمثليّة ما وقع مكافأةً له ، ثمّ الحَثّ والترغيب على العفو عن الجاني ووعد الأجر عليه وجعله على اللَّه تعالى .
والثالثة تدلّ على التصريح بأصل التشريع والترخيص ، وهذا لأجل اختلاف أنظار المجامع البشريّة وعقولها في أصل تشريع القصاص وحسنه وصلوحه ، كما يعلم من ملاحظة حال القوانين المجعولة من قِبلهم في مجتمعاتهم ، فظنّوا عدم جواز ذلك ، وأنّه سببٌ لكثرة القتل وإعدام النفوس ، واختلاف طبايع الناس في الجرأة على القتل ، واختلاف شؤونهم في الندم عن العمل ، والتسليم في مقابل الحكم المجعول .
فهذه الآية مصرّحة بأصل التشريع ، وأنّه لا بأس بالقصاص ، ولا سبيل لأحدٍ على المقدِم عليه بالمنع والإيذاء . والآيتان السابقتان محمولتان على اختلاف موارده ، من حسن الاستيفاء ، أو العفو يعرفه الوليّ ، أو الأولياء والحاكم .
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 41 .