شرح
أمرٌ ثابتٌ متين ، كما يظهر من نقله تعالى ذلك مرتضياً به ، فيكشف الكلام عن كونه من مصاديق المتّقين .
وأمّا علمه : فلأنّ انضمام قوله : « إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ » بقوله تعالى : « إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ » « 1 » يثبت كونه من العلماء .
ويشهد بعلمه أيضاً قوله : « إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ » ، « 2 » فأخبر بأنّ القاتل ظلماً يرجع إلى اللَّه يوم القيامة حاملًا لإثم المقتول أيضاً ، وهو حكمٌ شرعيّ تعبّدي مأخوذ من معدن الوحي ، أو هو ممّا يحكم العقل به في الجملة .
2 - وقال تعالى : « أَقَتَلْتَ نَفْساً زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً نُكْراً » . « 3 » اعترض موسى عليه السلام على العالم ، وأنكر فعله ووبّخه كما هو ظاهر الكلام ، وموسى هذا لو لم يكن النبيّ العظيم المعروف المُرسَل إلى بني إسرائيل ، فلا أقلّ من كونه عبداً صالحاً ومؤمناً عالماً ، أمره تعالى بتحصيل علوم غير ما كان عنده ، وهو قد صرّح بأنّ قتل النفس الزكيّة بلا سببٍ مقتضى له أمر ينكره الشرع والعقل ، فهو حرامٌ وقبيح . والعالم لم ينكر عليه قوله ، بل ادّعى أنّه سِرٌّ من الأسرار التي لا يستطيع أكثر الناس عليها صبراً ، وثبوته في شرع الإسلام أيضاً ممّا يقتضيه ظاهر الكتاب ، ويدلّ عليه صريح النصوص .
والظاهر أنّ المراد بكون النفس زكيّة كونها طاهرة عن الكفر الموجب لإباحة القتل ، وعن الكبيرة الموجبة للقصاص والحَدّ . وحكم موسى بتزكيتها إمّا لسبق معرفته بحال الغلام ، أو لحكمه بها بمقتضى الأصل الأوّلي في الإنسان ؛ لاستصحاب طهارته التكوينيّة طبعاً قبل بلوغه ، فيحكم ببقائها ما لم يعلم بعروض خلافها ؛ أو لأنّ هذه الطهارة في
هامش
( 1 ) . الفاطر ( 35 ) : 28 .
( 2 ) . المائدة ( 5 ) : 29 .
( 3 ) . الكهف ( 18 ) : 74 .