شرح
وقوله : « مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِي إِلَيْكَ لِاقْتُلَكَ » يدلّ على أنّ دوران أمره بين أن يكون ظالماً ومظلوماً ؛ معناه أنّه أخبر بعدم إقدامه على قتله وعدم البدءة بذلك ، وأمّا الدفاع بالميسور إذا قصد أخوه قتله فهو أمرٌ آخر لم ينفه ولم يجز عليه تركه ، لم يرد به عدم دفاعه عن نفسه عند هجمة العدوّ ، بل يظهر من الكلام أنّه كان أمره دائراً بين أن يقدِم على قتل أخيه قبل أن يفعل شيئاً ، أو لا يقدِم على ذلك فيغتال ويُقتل ظلماً ، فاختار الثاني دون الأوّل . وهو أمرٌ صحيح ممضي عند الشرع ، ويحسّنه العقل بعد إذعانه بوجود المبدء الحكيم العدل ، والمعاد الذي لا يظلمون فيه ولا يُظلمون ، ولذلك قال أيضاً : « إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ » ، « 1 » أي أختار ذلك على مقاتلته . ولعلّه المراد ممّا روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله : « كُن عبد اللَّه المقتول ، ولا تكن عبد اللَّه القاتل » . « 2 »
وأمّا القول بأنّ الدفاع عن النفس لم يشرّع آنئذٍ فهو أمرٌ مستبعَد ، بل الدفاع عن النفس ممّا تقتضيه غريزة الإنسان ، وليس أنقص في ذلك من الحيوانات التي جُبلت على تلك الجبلّة ، كما هو المشاهد المحسوس . ومنه يعلم أنّه لو صحَّ ما ذكر لزم أن يقال بتشريع حرمة الدفاع ، لا عدم تشريع وجوبه .
ثمّ إنّ ظاهر الآية كون ولد آدم المقتول من العلماء والمتّقين ، كما نبّه به المفسّر الكبير صاحب الميزان قدس سره ؛ « 3 » أمّا التّقوى : فلقوله لأخيه عندما شاهد منه السخط لعدم قبول قربانه : « إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنْ الْمُتَّقِينَ » ، « 4 » فبيّن أنّ قبول العمل مرتهن بتقوى القلوب ، وذلك
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 29 .
( 2 ) . زبدة البيان في أحكام القرآن ، ص 23 ؛ عوالي اللآلي ، ج 1 ، ص 38 ، ح 31 ؛ مستدرك الوسائل ، ج 11 ، ص 392 ، ح 13343 ؛ مسند أحمد ، ج 5 ، ص 110 ؛ المستدرك للحاكم النيشابوري ، ج 4 ، ص 517 ؛ المصنّف لابن أبي شيبة ، ج 8 ، ص 642 ، ح 322 ؛ شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 2 ، ص 282 .
( 3 ) . الميزان في تفسير القرآن ، ج 5 ، ص 302 .
( 4 ) . المائدة ( 5 ) : 27 .