شرح
الأمر الثالث : صرّح بعض الأصحاب « 1 » بأنّ الأولويّة الثابتة بالتحجير حقّ من الحقوق ، وليست من قبيل الملك ، والفرق بينهما يظهر ببيان جهتين :
الأولى : أنّه قد ذكرنا سابقاً « 2 » : أنّ الملكيّة عند الشرع والعرف أمر اعتباري ينشأ من أسباب شتّى ، وليس لها بهذا الاصطلاح تأصّل وتحصّل واقعي ، إلّاأنّه لابدّ في اعتبارها من ملاحظة الشيء المعتبر أوّلا ثمّ اعتباره .
وبعبارة أخرى : إنّ الاعتبار عبارة عن فرض وجود شيء من المتأصّلات في عالم التصوّر ووعاء الاعتبار ، فلابدّ من تعلّقه بالأعيان الخارجيّة ، أو أحد الأعراض المتأصّلة ، بحيث لوفرض تحقّق المعتبر خارجاً وخروجه من وعاء الاعتبار إلى ظرف التحقّق ، لكان أحد المتأصّلات الخارجية .
ألا ترى أنّ أهل العرف إذا قالوا : زيد أسد ، فقد فرضوا زيداً في عالم الاعتبار شيئاً لو تحقّق في الخارج كان عيناً من الأعيان القائمة بنفسها وهي الأسد ، وإذا قالوا : زيد فوق عمرو في العلم - كقوله تعالى : « وَفَوْقَ كُلّ ذِى عِلْمٍ عَلِيمٌ » « 3 » - فقد اعتبروا في زيد أمراً لو تحقّق لكان شيئاً من مقولة الإضافة كفوقيّة السقف ، وإذا قالوا قلب زيد أبيض وقلب عمرو أسود ، فقد اعتبروا شيئاً لو وجد لكان من مقولة الكيف وهكذا ؟
وعلى هذا فقد يقال : إنّ المعتبر في المالكية هو مقولة الجدة ، وهي في اصطلاح المنطق عبارة عن إحاطة جسم بجسم آخر ؛ بحيث ينتقل المحيط بانتقال المحاط - كلبس العباء والحركة بها - فيعتبر كون المالك كأنّه محيط بماله أينما ذهب ذهب معه ؛ لبقاء استيلائه على ماله اعتباراً .
هامش
( 1 ) . انظر تذكرة الفقهاء ، ج 2 ، ص 410 ط قديم ؛ مسالك الأفهام ، ج 12 ، ص 419 ؛ جواهر الكلام ، ج 38 ، ص 56 ؛ مفتاحالكرامة ، ج 7 ، ص 25 ط قديم .
( 2 ) . تقدّم في الصفحة : 25 - 26 .
( 3 ) . يوسف ( 12 ) : 76 .