شرح
الثالث : أنّه قد تعلّقت حقوق الناس بالمشاعر بعد أن جعلها اللَّه تعالى محلًاّ لعبادتهم وموضعاً لنسكهم ووقوفهم ، فالتصرّف فيها وتملّكها بالإحياء منافٍ لذلك .
وفيه : أنّ استفادة الحقّ للناس بمعنى الأمر المجعول الوضعي - نظير حقّ التحجير أو حقّ السبق ونحوهما من تشريع المشعريّة - غير ظاهر ، كدعوى تعلّق حقّ الناس بالمسجد بعد جعله مسجداً . بل القدر المسلّم استحباب الدخول والعبادة فيه ، أو وجوبه . نعم يكون السابق إليه أحقّ به ما دام فيه وهو غير المدّعى .
وهذان الدليلان يرجعان إلى القول بتخصيص عمومات الإحياء بملاك جعل المكان مشعراً ، أو لتعلّق حقّ الناس به ، وكان الأولى الاستناد في تخصيصها بنفس الدليل الدالّ على المشعرية ؛ فإنّه - أيّ أمر كان - هو المعارض المانع عن العموم ، والملاك أو تعلّق الحقّ قد استفيد من ذلك .
وأوثق الكلام هنا أن يقال : إنّ خروج المشاعر عن تحت أدلّة الإحياء خروج تخصّصي وليس من باب التخصيص ؛ فإنّها واجدة لأجلى مصاديق الحياة ؛ إذ الحياة لا تنحصر في بناء الدور والبيوت وإحداث البساتين ونحوها . فاجتماع الناس في محلّ ليعبدوا ربّهم ويقيموا مناسكهم ويشهدوا منافع لهم ، وصدور ذلك منهم على نحو التوالي ، لاسيّما إذا عيّنه المالك الحقيقي لذلك الغرض إحياء له ومحقّق لأكمل مصاديقه .
قال في الجواهر :
فهي في الحقيقة ليست من الموات الذي هو بمعنى المعطّل عن الانتفاع ، فضلًا عن وضع يد سائر المسلمين عليها وتعلّق حقوقهم بها ، بل هي أعظم من الوقف الذي يتعلّق به حقّ الموقوف عليهم بجريان الصيغة من الوقف . « 1 » ونتيجة الكلام هنا : أنّه إذا لوحظ نفس أدلّة المشعر مع عموم الإحياء ، كان المورد من قبيل التخصّص ، وإذا لوحظ ما حصل في الخارج بعد تشريع كون المكان مشعراً وتوجّه
هامش
( 1 ) . جواهر الكلام ، ج 38 ، ص 53 .