وما دالت الدول الكبرى ، وتلاشت الحضارات العتيدة ، إلا بضياع العدل والاستهانة
بمبدئه الأصيل ، وقد كان أهل البيت عليهم السلام المثل الأعلى للعدل ، وكانت أقوالهم
وأفعالهم دروساً خالدة تنير للانسانية مناهج العدل والحق والرشاد .
وإليك نماذج من عدلهم :
قال سوادة بن قيس للنبي صلى اللّه عليه وآله في أيام مرضه : يا رسول اللّه إنك لما
أقبلت من الطائف استقبلتك وأنت على ناقتك العضباء ، وبيدك القضيب الممشوق ، فرفعت
القضيب وأنت تريد الراحلة ، فأصاب بطني ، فأمره النبي أن يقتصّ منه ، فقال : اكشف لي عن
بطنك يا رسول اللّه فكشف عن بطنه ، فقال سوادة : أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك ، فأذن
له فقال : أعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه من النار يوم النار . فقال صلى اللّه عليه
وآله : يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص ؟ فقال : بل أعفو يا رسول اللّه . فقال : اللهم
أعف عن سوادة بن قيس كما عفا عن نبيك محمد ( 1 ) .
وقال أبو سعيد الخدري : جاء أعرابي إلى النبي صلى اللّه عليه وآله يتقاضاه ديناً كان
عليه ، فاشتدّ عليه حتى قال له : أحرّج عليك إلا قضيتني ، فانتهره أصحابه وقالوا : ويحك ،
تدري من تكلم ؟ ! ! قال : إني أطلب حقّي .
فقال النبي صلى اللّه عليه وآله : هلا مع صاحب الحق كنتم ، ثم أرسل إلى خولة بنت قيس
فقال لها : إن كان عندك تمر فأقرضينا ، حتى يأتي تمرنا فنقضيك . فقالت : نعم بأبي أنت
وأمي يا رسول اللّه . قال : فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه . فقال : أوفيت أوفى اللّه
لك ؟ فقال : أولئك خيار الناس ، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع .
وقيل : إن الاعرابي كان كافراً ، فأسلم بمشاهدة هذا الخلق الرفيع ، وقال : يا رسول
اللّه ما رأيت أصبر منك ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 1 ص 671 .
( 2 ) فضائل الخمسة من الصحاح الستة ج 1 ص 122 عن صحيح ابن ماجة .