وكيف يكدح المرء في جمع المال واكتنازه ؟ ! ثم سرعان ما يغنمه الوارث .
ويتمتع به . فيكون له المهنى وللمورث الوزر والعناء .
وقد استنكر القرآن الكريم هذا الهَوسَ ، وأنذر أربابه إنذاراً رهيباً : « كلا بل لا
تكرمون اليتيم ، ولا تحاضون على طعام المسكين ، وتأكلون التراث أكلاً لمّا ، وتحبون
المال حباً جماً ، كلا إذا دكت الأرض دكاً دكاً ، وجاء ربُّك والملك صفاً صفاً ، وجئ
يومئذ بجهنم ، يومئذ يتذكر الانسان وأنى له الذكرى ، يقول يا ليتني قدمت لحياتي ،
فيومئذ لا يُعذبُ عذابَهُ أحد ، ولا يُوثق وثاقه أحد » ( الفجر : 17 - 26 )
وقال تعالى : « ويل لكل هُمزَةٍ لُمَزةٍ ، الذي جمع مالاً وعدده ، يحسب أن ماله أخلده ،
كلا لينبذنّ في الحُطمة ، وما أدراك ما الحُطمة ، نار اللّه الموقدة ، التي تطّلع على
الأفئدة ، إنها عليهم مؤصدة ، في عمد ممددة » ( الهمزة )
وأبلغُ ما أثر في هذا المجال ، كلمة أمير المؤمنين عليه السلام ، وهي في القمة من
الحكمة وسمو المعنى ، قال عليه السلام : « إنما الدنيا فناء ، وعناء ، وغِيَر ، وعِبَرِ ،
فمن فنائها : أنك ترى الدهر مُوتِراً قوسه ، مفوقاً نبله ، لا تخطئ سهامه ، ولا تشفى
جراحه . يرمي الصحيحَ بالسقم ، والحيَّ بالموت .
ومن عنائها : أنَّ المرء يجمع ما لا يأكل ، ويبني ما لا يسكن ، ثم يخرج إلى اللّه لا
مالاً حمل ، ولا بناءاً نقل .
ومن غِيَرها : أنك ترى المغبوط مرحوماً ، والمرحوم مغبوطاً ، ليس بينهم إلا نعيم زلّ ،
وبؤس نزل .
ومن عِبَرها : أن المرء يشرف على أمله ، فيتخطفه أجله ، فلا أمل مدروك ، ولا مؤُمَّل
متروك » ( 1 ) .
العفة
وهي : الامتناع والترفع عمّا لا يحل أو لا يجمل ، من شهوات البطن والجنس ، والتحرر من
استرقاقها المُذِل .
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 1 ص 467 .