وعلى العاقل أن يختار النهج الأوسط ، المبرّأ من الخسّة والأنانية ، وذلك : باعطاء كل
فرد ما يستحقه من الحفاوة والتقدير ، حسب منزلته ومؤهلاته .
لذلك لا يحسن التواضع للأنانيين والمتعالين على الناس بزهوهم وصلفهم . إن التواضع
والحالة هذه مدعاة للذل والهوان ، وتشجيع لهم على الأنانية والكبر ، كما يقول
المتنبي :
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته * وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
ومما قيل في التواضع قول المعري :
يا والي المصر لا تظلمن * فكم جاء مثلك ثم انصرف
تواضع إذا ما رُزقت العلا * فذلك مما يزيد الشرف
وفي المثل :
تواضع الرجل في مرتبته ، ذبّ للشماتة عند سقطته .
وقال الطغرائي :
ذريني على أخلاقي الشوس إنني * عليم بإبرام العزائم والنقض
أزيد إذا أيسرت فضل تواضع * ويزهى إذا أعسرت بعضي على بعضي
فذلك عند اليسر أكسب للثنا * وهذاك عند العسر أصون للعرض
أرى الغصن يعرى وهو يسمو بنفسه * ويوقر حملاً حين يدنو من الأرض
واليك طرفاً من فضائل أهل البيت ، وتواضعهم المثالي الفريد :
كان النبي صلّى اللّه عليه وآله أشدَّ الناس تواضعاً ، وكان إذا دخل منزلاً قعد في
أدنى المجلس حين يدخل ، وكان في بيته في مهنة أهله ، يحلب شاته ، ويرقع ثوبه ، ويخصف
نعله ، ويخدم نفسه ، ويحمل بضاعته من السوق ، ويجالس الفقراء ، ويواكل المساكين .
وكان صلّى اللّه عليه وآله إذا سارّه أحد ، لا ينحّي رأسه حتى يكون الرجل هو الذي
ينحّي رأسه ، وما أخذ أحد بيده فيرسل يده حتى يرسلها الآخر ، وما قعد إليه رجل قط
فقام صلى اللّه عليه وآله حتى يقوم ، وكان يبدأ من لقيه بالسلام ، ويبادئ أصحابه
بالمصافحة ، ولم يُر قط ماداً رجليه بين أصحابه ، يكرم من يدخل عليه ، وربما
أخلاق أهل البيت ( ع ) — صفحة 37
مساهمون: السيد مهدي الصدر
ص٣٧