بيد أنّ الانسان كثيراً ما تخدعه مباهج الحياة ، وتسترقه بأهوائها ومغرياتها ، فيقارف
المعاصي من جديد ، منجرفاً بتيارها العَرمِ ، وهكذا يعيش صراعاً عنيفاً بين العقل
والشهوات ، ينتصر عليها تارة ، وتنتصر عليه أخرى ، وهكذا دواليك .
وهذا ما يعيق الكثيرين عن تجديد التوبة ، ومواصلة الإنابة خشية النكول
عنها ، فيظلّون سادرين في المعاصي والآثام .
فعلى هؤلاء أن يعلموا أن الانسان عرضة لاغواء الشيطان ، وتسويلاته الآثمة ، ولا ينجو
منها إلا المعصومون من الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، وانّ الأجدر بهم إذا ما
استزلهم بخدعه ومغرياته ، أن يجددوا عهد التوبة والإنابة بنيّة صادقة ، وتصميم جازم ،
فان زاغوا وانحرفوا فلا يُقنطهم ذلك عن تجديدها كذلك ، مستشعرين قول اللّه عز وجل :
« قل يا عباديّ الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة اللّه ، أنّ اللّه يغفر
الذنوب جميعاً ، إنّه هو الغفور الرحيم » ( الزمر : 53 ) .
وهكذا شجّعت أحاديث أهل البيت عليهم السلام على تجديد التوبة ، ومواصلة الإنابة ،
إنقاذاً لصرعى الآثام من الانغماس فيها ، والانجراف بها ، وتشويقاً لهم على استئناف
حياة نزيهة مستقيمة .
فعن محمد بن مسلم قال : قال الباقر عليه السلام : « يا محمد بن مسلم ذنوب المؤمن إذا
تاب عنها مغفورة له ، فليعمل المؤمن لما يستأنف بعد التوبة والمغفرة ، أما واللّه
إنها ليست إلا لأهل الإيمان .
قلت : فان عاد بعد التوبة والاستغفار في الذنوب ، وعاد في التوبة . فقال : يا محمد بن
مسلم أترى العبد المؤمن يندم على ذنبه ويستغفر اللّه تعالى منه ويتوب ثم لا يقبل
اللّه توبته ! ! قلت : فإنه فعل ذلك مراراً ، يذنب ثم يتوب ويستغفر . فقال : كلّما عاد
المؤمن بالاستغفار والتوبة ، عاد اللّه عليه بالمغفرة ، وإنّ اللّه غفور رحيم ، يقبل
التوبة ، ويعفو عن السيئات ، فإيّاك أن تُقنّط المؤمنين من رحمة اللّه تعالى » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) الوافي ج 3 ص 183 عن الكافي .