القانون الخالد
:
تواطأ الناس بأسرهم ، على ذم الدنيا وشكايتها ، لمعاناة آلامها ، ففرحها مكدّر بالحزن ،
وراحتها منغصة بالعناء ، لا تصفو لأحد ، ولا يهنأ بها انسان . وبالرغم من تواطئهم على
ذلك تباينوا في سلوكهم وموقفهم من الحياة :
فمنهم من تعشقها ، وهام بحبها ، وتكالب على حُطامها ، ما صيرهم في حالة مزرية ، من
التنافس والتناحر .
ومنهم من زهد فيها ، وانزوى هارباً من مباهجها ومُتعها إلى الأديرة والصوامع ، ما
جعلهم فلولاً مبعثرة على هامش الحياة .
وجاء الاسلام ، والناس بين هذين الاتجاهين المتعاكسين ، فاستطاع بحكمته البالغة ،
واصلاحه الشامل ، أن يشرّع نظاماً خالداً ، يؤلّف بين الدين والدنيا ، ويجمع بين مآرب
الحياة وأشواق الروح ، بأسلوب يلائم
فطرة الانسان ، ويضمن له السعادة والرخاء .
فتراه تارة يحذّر عشّاق الحياة من خُدعها وغرورها ، ليحررهم من أسرها واسترقاقها ،
كما صورته الآثار السالفة .
وأخرى يستدرج المتزمتين الهاربين من زخارف الحياة إلى لذائذها البريئة وأشواقها
المرفرفة ، لئلا ينقطعوا عن ركب الحياة ، ويصبحوا عرضة للفاقة والهوان .
قال الصادق عليه السلام : « ليس منّا من ترك دنياه لآخرته ، ولا آخرته لدنياه » ( 1 ) .
وقال العالم عليه السلام : « إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً ، واعمل لآخرتك كأنك تموت
غداً » ( 2 ) .
وبهذا النظام الفذ ازدهرت حضارة الاسلام ، وتوغل المسلمون في مدارج الكمال ، ومعارج
الرقيّ الماديّ والروحي .
هامش
( 1 ) ، ( 2 ) الوافي ج 10 ص 9 عن الفقيه .