« من عرضت له فاحشة ، أو شهوة فاجتنبها من مخافة اللّه عز وجل ، حرّم اللّه عليه
النار ، وآمنه من الفزع الأكبر ، وأنجز له ما وعده في كتابه ، في قوله عز وجل : ( ولمن
خاف مقام ربه جنتان ) ( الرحمن : 46 ) » ( 1 ) .
وقال بعض الحكماء : مسكين ابن آدم ، لو خاف من النار كما يخاف من الفقر لنجا منهما
جميعاً ، ولو رغب في الجنة كما رغب في الدنيا لفاز بهما جميعاً ، ولو خاف اللّه في
الباطن كما يخاف خلقه في الظاهر لسعد في الدارين جميعاً .
ودخل حكيم على المهدي العباسي فقال له : عظني . فقال : أليس هذا المجلس قد جلس فيه
أبوك وعمك قبلك ؟ قال : نعم . قال : فكانت لهم أعمال ترجو لهم النجاة بها ؟ قال : نعم .
قال : فكانت لهم أعمال تخاف عليهم الهلكة منها ؟ قال : نعم . قال : فانظر ما رجوت لهم
فيه فآته ، وما خفت عليهم منه فاجتنبه .
الخوف بين المدّ والجزر :
لقد صورت الآيات الكريمة ، والأخبار الشريفة ، أهمية الخوف ، وأثره في تقويم الانسان
وتوجيهه وجهة الخير والصلاح ، وتأهيله لشرف رضا اللّه تعالى وإنعامه .
بيد أن الخوف كسائر السجايا الكريمة ، لا تستحق الاكبار والثناء ، الا إذا اتسمت
بالقصد والاعتدال ، الذي لا إفراط فيه ولا تفريط .
فالافراط في الخوف يجدب النفس ، ويدعها يباباً من نضارة الرجاء ، ورونقه البهيج ، ويدع
الخائف آيساً آبقاً موغلاً في الغواية والضلال ، ومرهقاً نفسه في الطاعة والعبادة
حتى يشقيها وينهكها .
والتفريط فيه باعث على الاهمال والتقصير ، والتمرد على طاعة اللّه تعالى واتباع
دستوره .
وبتعادل الخوف والرجاء تنتعش النفس ، ويسمو الضمير ، وتتفجر
هامش
( 1 ) البحار م 15 ج 2 ص 113 عن الفقيه .