ينفك عن جلادها
ومقارعتها ، ينتصر عليها تارة وتصرعه أخرى ، وكثيراً ما ترديه لقاً ، مهيض الجناح ،
كسير القلب .
فهو منها في قلق مضني ، وفزع رهيب ، يخشى الاخفاق ، ويخاف الفقر ، ويرهب المرض ، ويعاني
ألوان المخاوف المهددة لأمنه ورخائه .
ولئن استطاعت الحضارة الحديثة أن تخفف أعباء الحياة ، بتيسيراتها الحضارية ، وتوفير
وسائل التسلية والترفيه ، فقد عجزت عن تزويد النفوس
بالطمأنينة والاستقرار ، وإشعارها بالسكينة والسلام الروحيين ، فلا يزال القلق والخوف
مخيماً على النفوس ، آخذاً بخناقها ، مما ضاعف الأمراض النفسية ، واحداث الجنون
والانتحار في أرقى الممالك المتحضرة .
ولكن الشريعة الاسلامية استطاعت بمبادئها السامية ، ودستورها الخُلُقي الرفيع - أن
تخفف قلق النفوس ومخاوفها ، وتمدّها بطاقات روحية ضخمة ، من الجلد والثبات ، والثقة
والاطمئنان ، بالتوكل على اللّه ، والاعتماد عليه ، والاعتزاز بحسن تدبيره ، وجميل
صنعه ، وجزيل آلائه ، وأنّه له الخلق والأمر وهو على كل شيء قدير . وبهذا ترتاح
النفوس ، وتستبدل بالخوف أمناً ، وبالقلق دِعَةً ورخاءً .
والتوكل بعد هذا من أهم عوامل عزة النفس ، وسمو الكرامة ، وراحة الضمير ، وذلك بترفع
المتوكلين عن الاستعانة بالمخلوق ، واللجوء إلى الخالق ، في جلب المنافع ، ودرء
المضار .
ولعل أجدر الناس بالتوكل أرباب الأقدار والمسؤوليات الكبيرة ، كالمصلحين ليستمدوا
منه العزم والتصميم على مجابهة عَنَتِ الناس وإرهاقهم ، والمضي قدماً في تحقيق
أهدافهم الاصلاحية ، متخطين ما يعترضهم من أشواك وعوائق .
كيف تكسب التوكل :
1 - استعراض الآيات والأخبار الناطقة بفضله وجميل أثره في كسب
الطمأنينة والرخاء .
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 2 ص 638 عن بيان التنزيل لابن شهرآشوب بتلخيص .