ولا ينافي ذلك تذرع الانسان بالأسباب الطبيعية ، والوسائل الظاهرية لتحقيق أهدافه
ومصالحه كالتزود للسفر ، والتسلح لمقاومة الأعداء ، والتداوي من المرض ، والتحرز من
الأخطار والمضار ، فهذه كلها أسباب ضرورية لحماية الانسان ، وانجاز مقاصده ، وقد أبى
اللّه عز وجل أن تجري الأمور إلا بأسبابها .
بيد أنه يجب أن تكون الثقة به تعالى ، والتوكل عليه ، في انجاح الغايات والمآرب ، دون
الأسباب ، وآية ذلك أنّ أعرابياً أهمل عَقل بعيره متوكلاً على اللّه في حفظه ، فقال
النبي صلى اللّه عليه وآله ، له : « اعقل وتوكل » .
درجات التوكل :
يتفاوت الناس في مدارج التوكل تفاوتاً كبيراً ، كتفاوتهم في درجات إيمانهم : فمنهم
السباقون والمجلّون في مجالات التوكل ، المنقطعون إلى اللّه تعالى ، والمعرضون عمن
سواه ، وهم الأنبياء والأوصياء عليهم السلام ، ومن دار في فلكهم من الأولياء .
ومن أروع صور التوكل وأسماه ، ما روي عن إبراهيم عليه السلام :
« أنه لما ألقي في النار ، تلقاه جبرئيل في الهواء ، فقال : هل لك من حاجة ؟ فقال : أمّا
إليك فلا ، حسبي اللّه ونعم الوكيل . فاستقبله ميكائيل فقال : إن أردتَ أن أخمد النار
فانّ خزائن الأمطار والمياه بيدي ، فقال : لا أريد . وأتاه ملك الريح فقال : لو شئت
طيرت النار . فقال : لا أريد ، فقال جبرئيل : فاسأل اللّه . فقال : حسبي من سؤالي علمه
بحالي » ( 1 ) .
ومن الناس من هو عديم التوكل ، عاطل منه ، لضعف احساسه الروحي ، وهزال إيمانه . ومنهم
بين هذا وذاك على تفاوت في مراقي التوكل .
محاسن التوكل :
الانسان في هذه الحياة ، عرضة للنوائب ، وهدف للمشاكل والأزمات ، لا
أخلاق أهل البيت ( ع ) — صفحة 116
مساهمون: السيد مهدي الصدر
ص١١٦