وكفى بحسن الخلق شرفاً وفضلاً ، أن اللّه عز وجل لم يبعث رسله وأنبياءه إلى الناس
إلا بعد أن حلاّهم بهذه السجية الكريمة ، وزانهم بها ، فهي رمز فضائلهم ، وعنوان
شخصياتهم .
ولقد كان سيد المرسلين صلى اللّه عليه وآله المثل الأعلى في حسن الخلق ، وغيره من
كرائم الفضائل والخِلال . واستطاع بأخلاقه المثالية أن يملك القلوب والعقول ، واستحق
بذلك ثناء اللّه تعالى عليه بقوله عز من قائل : ( وإنّك لعلى خلق عظيم ) .
قال أمير المؤمنين علي عليه السلام وهو يصور أخلاق رسول اللّه صلّى اللّه عليه
وآله : « كان أجود الناس كفاً ، وأجرأ الناس صدراً ، وأصدق الناس لهجة ، وأوفاهم ذمة ،
وألينهم عريكة ، وأكرمهم عشرة . من رآه بديهة هابه . ومن خالطه فعرفه أحبّه ، لم أرَ
مثله قبله ولا بعده » ( 1 ) .
وحسبنا أن نذكر ما أصابه من قريش ، فقد تألبت عليه ، وجرّعته ألوان الغصص ، حتى اضطرته
إلى مغادرة أهله وبلاده ، فلما نصره اللّه عليهم ، وأظفره بهم ، لم يشكّوا أنّه سيثأر
منهم ، وينكّل بهم ، فما زاد أن قال لهم : ما تقولون إني فاعل بكم ؟ ! قالوا : خيراً ، أخ
كريم وابن أخ كريم . فقال : أقول كما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم ، اذهبوا فأنتم
الطلقاء .
وجاء عن أنس قال : كنت مع النبي صلى اللّه عليه وآله ، وعليه برد غليظ الحاشية ، فجذبه
أعرابي بردائه جذبة شديدة ، حتى أثرت حاشية البُرد في صفحة عاتقه ، ثم قال : يا محمد
إحمل لي علي بعيريّ هذين من مال اللّه الذي عندك ، فإنك لا تحمل لي من مالك ، ولا مال
أبيك . فكست النبي صلى اللّه عليه وآله ثم قال : المال مال اللّه ، وأنا عبده . ثم قال :
ويقاد منك يا أعرابي ما فعلت بي ؟ ! قال : لا . قال : لِمَ ؟ قال : لأنّك لا تكافئ بالسيئة
السيئة . فضحك النبي ، ثم أمر أن يحمل له على بعير شعيراً ، وعلى الآخر تمراً ( 2 ) .
هامش
( 1 ) سفينة البحار - مادة خلق - .
( 2 ) سفينة البحار - مادة خلق - .