الفقر وهو يستطيع اكتساب الرزق ، وعلى هضم الحقوق وهو قادر على استردادها وصيانتها .
ومن الواضح أن ما يجرد المرء من فضيلة الصبر ، ويخرجه عن التجلد ، هو الجزع المفرط
المؤدّي إلى شق الجيوب ، ولطم الخدود ، والاسراف في الشكوى والتذمر .
أما الآلام النفسية ، والتنفيس عنها بالبكاء ، أو الشكاية من متاعب المرض وعنائه
فإنّها من ضرورات العواطف الحية ، والمشاعر النبيلة ، كما قال صلى اللّه عليه وآله
عنده وفاة ابنه إبراهيم :
( تدمع العين ، ويحزن القلب ، ولا نقول ما يسخط الرب ) .
وقد حكت لنا الآثار طرفاً رائعاً ممتعاً من قصص الصابرين على النوائب ، مما يبعث على
الاعجاب والاكبار ، وحسن التأسي بأولئك الأفذاذ .
حكي أنّ كسرى سخط على بزرجمهر : فحبسه في بيت مظلم ، وأمر أن يصفد بالحديد ، فبقي
أياماً على تلك الحال ، فأرسل إليه من يسأله عن حاله ، فإذا هو منشرح الصدر ، مطمئن
النفس ، فقالوا له : أنت في هذه الحالة من الضيق ونراك ناعم البال . فقال : اصطنعت ستة
أخلاط وعجنتها واستعملتها ، فهي التي أبقتني على ما ترون . قالوا : صف لنا هذه لعلنا
ننتفع بها عند البلوى ، فقال : نعم .
أما الخلط الأول : فالثقة باللّه عز وجل .
وأما الثاني : فكل مقدرّ كائن .
وأما الثالث : فالصبر خير ما استعمله الممتَحن .
وأما الرابع : فإذا لم أصبر فماذا أصنع ، ولا أعين على نفسي بالجزع .
وأما الخامس : فقد يكون أشدّ مما أنا فيه .
وأما السادس ، فمن ساعة إلى ساعة فرج .
فبلغ ما قاله كسرى فأطلقه وأعزّه » ( 1 ) .
هامش
( 1 ) سفينة البحار ج 2 ص 7 .