تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 91

مساهمون:

ص٩١
الأصولية ، بل والأعمال الصالحة ، وقد يكون بنحو الاقتضاء مع قابلية الانفكاك ، كما في إنتاج الصفات الرذيلة والمعاصي الكبيرة والصغيرة مع بقاء الإيمان ؛ إذ هي تقبل الانفكاك بحيث لا يترتّب عليها آثارها السيّئة في الآخرة ، إمّا بدعاء المؤمنين ؛ أو ببعض أعماله الصالحة الباقية في الدنيا ، كما قال تعالى : « وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَءَاثرَهُمْ » « 1 » وإمّا بواسطة الشفاعة المسلّمة وقوعها في الآخرة . وبالجملة ، الدنيا هي الدارُ القريبة منّا والزمانُ الواقع فيه ظهور نتائج عالم الرحم المودعة في الروح والنفس بيد الربّ الجليل ، أو دخالة نفوس آخر من الأب والامّ والشيطان وغيرهم . والآخرة هي الدارُ البعيدة منّا بالإضافة إلى الدنيا والزمانُ الذي يحدث فيه نتائج البذور المودعة في النفس والمغروسة فيها بيد الإنسان نفسه وبنظارته وتدبيره . وقوله تعالى : « وَيُكَلّمُ النَّاسَ فِى الْمَهْدِ وَكَهْلًا » إلى آخره . لا إشكال في كون التكليم في المهد بنحو الإعجاز ، ولو فرضنا وقوعه بعد مضيّ سنة أو سنتين من عمره ، أي في وقت إمكان التكلّم لكلّ صبيّ ، فإنّ المراد به الكلام مع الناس بمقتضى أفهامهم وتناسب عقولهم ، وهذا لا يتيسّر للصبي المتكلّم في بدء أمره ، مع أنّ الآيات في سورة مريم تدلّ على وقوع التكلّم عقيب الولادة ، قال تعالى : « فَأَتَتْ بِه‌ِى قَوْمَهَا تَحْمِلُه‌ُو قَالُوا يمَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيًا فَرِيًّا » « 2 » إلى أن قال : « فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلّمُ مَن كَانَ فِى الْمَهْدِ صَبِيًّا » « 3 » . وأمّا التكليم في حال الكهولة فذكره في الآية الشريفة لابدّ من أن يكون لبيان أمر هامٍّ ونكتة لطيفة ، فقد قيل : إنّ الغرض التشبيه وكون تكلّمه في صباه كتكلّمه في كهولته . « 4 » والظاهر أنّ المراد بالكهولة هو كمال الإنسان في قواه البدنية وتكفيراته الروحية ،
هامش
( 1 ) . يس ( 36 ) : 12 . . ( 2 ) . مريم ( 19 ) : 27 . . ( 3 ) . مريم ( 19 ) : 29 . . ( 4 ) . قال به جمع من المفسّرين . راجع : الكشّاف ، ج 1 ، ص 364 ؛ جوامع الجامع ، ج 1 ، ص 175 ؛ أنوار التنزيل ، ج 2 ، ص 18 ، ذيل الآية 46 من آل عمران ( 3 ) . .