ثمّ إنّ ظاهر الآية - على ما استفاده عدّة من المفسّرين - كون إعطاء الولد لها بنحو الإعجاز وخرق الطبيعة ، « 1 » ولكن نقول : إنّ فيه مذهبين :
الأوّل : كونه كذلك : أي بنحو الإعجاز بأن يقال : قد تكون الجنين في رحم مريم دفعة أو تدريجاً من غير طريق العادة ، ولا على سبيل الاعتياد ، بل بإيجاد المادّة البدنية أوّلًا ونفخ الروح فيها ثانياً ، أو بإيجادهما دفعة واحدة ، فعيسى أمر وشيء قضاه اللَّه ، وقال له : كن ، فوجد وكان ، ويظهر ذلك أيضاً عن قوله تعالى في سورة مريم :
« قَالَ كَذَ لِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَىَّ هَيّنٌ وَلِنَجْعَلَهُو ءَايَةً لّلنَّاسِ وَرَحْمَةً مّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا فَحَمَلَتْهُ فَانتَبَذَتْ بِهِى مَكَانًا قَصِيًّا فَأَجَآءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ » « 2 » ؛
ومن قوله تعالى : « وَالَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِن رُّوحِنَا وَجَعَلْنهَا وَابْنَهَآ ءَايَةً لّلْعلَمِينَ » « 3 » .
وقوله : « وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَ نَ الَّتِى أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا » « 4 » .
والكلّ ظاهر في كون إعطائها الولد من غير طريق العادة ، بل وجد في رحمها بالنفخ فيه أو فيها . « 5 » الثاني : كون الإعطاء جارياً على قوانين الطبيعة ، لا خارقاً لها .
ويمكن تقريب هذا القول - وإن لم يأت صاحبه بأمر واضح - بأنّ التجارب العلمية الحاصلة في العصور الأخيرة قد أثبتت - بحيث لم يبق لأربابها مرية وترديد - أنّ الإناث من الحيوانات قد تحمل وتلد بلا مساس الذكور من جنسها ، وذلك لأنّ الجراثيم الصغار الموجودة في نطفة الذكور المسمّاة عندهم ب « اسپرماتوزوئيد » التي هي مبدأ تكوّن الإنسان مثلًا ، لابدّ أن تجتمع وتختلط مع ما هو موجود في نطفة الإناث
هامش
( 1 ) . راجع : مجمع البيان ، ج 2 ، ص 750 ؛ مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 226 ؛ البحر المحيط ، ج 3 ، ص 158 ، ذيل الآية 47 من آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . مريم ( 19 ) : 21 - 23 . .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 91 . .
( 4 ) . التحريم ( 66 ) : 12 . .
( 5 ) . المنار ، ج 3 ، ص 308 - 310 ، ذيل الآية 47 من آل عمران ( 3 ) . .