تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 89

مساهمون:

ص٨٩
الخلقة ، حيث إنّ أيسر الأسباب في إيجاد شيء للإنسان - لو كان قادراً - هو إيجاد بالأمر بالكون ، فاللَّه يوجد الأشياء بأيسر طريق الإيجاد ، ولعلّه نفس الإرادة . وأمّا « المسيح » فهو فعيل بمعنى الفاعل ؛ لأنّه كان يمسح ذوي العاهات بيده فيبرؤون ، أو كان يمسح مرضى القلوب بإرادته وحنانه فيبرؤون عن آفة العقائد الباطلة والأخلاق الرذيلة ، ويمكن كونه بمعنى المفعول ؛ فإنّه كان ممسوحاً بالبركة من جانب الربّ تعالى ، حيث يقول : « وَجَعَلَنِى مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ » . « 1 » و « عيسى » مقلوب يسوع بمعنى المنجي ، أو بمعنى يعيش . « 2 » وقوله : « وَجِيهًا فِى الدُّنْيَا وَالْأَخِرَةِ » . الوجيه : ذو الشرف والمكانة والجاه ، وكونه كذلك في الدارين واضح . ثمّ إنّ الدنيا عبارة عن دارٍ يعيش فيها الإنسان وأزمنةِ حياةٍ له قد نمى ونتج فيها كلّ بذر أودع في طينته من عالم الرحم ؛ فإنّ هنالك إذ كان نطفة أمشاجاً ، قد زرعت في روحه وغرست في مغرس جبلّته صفات وأخلاق وسجايا حسنة أو قبيحة ممّا أودعه الربّ تعالى وفقاً لنظام التكوين ورعاية لمصلحة التدبير ، أو زرعه الأبوان ، وكذا كلّ خليط اختلط في ذاته من ناحية أفراد مجتمعة من غير شعوره بذلك . وبالجملة ، أكثر العقائد والصفات التي تظهر في الدنيا في الإنسان حصائد ونتائج ممّا عجنت به الطينة في عالم الرحم ، فالدنيا دار تنمو فيه تلك البذور والمغارس إلّاأنّ اللَّه تعالى قد أودع في المكلّف قوّة عاقلة مسلّطة ، له أن يدبّر أمر الطينة ومزارع البذور ومغارس الأشجار ، فيبقيها وينميها ويبريها ، أو يقطعها ويزيلها ويزرع في مكانها شيئاً آخر من عقائد وفضائل ورذائل ، فوجودها الجبلّي والطبيعي ليس بنحو العلّيّة التامّة في الإنتاج الدائم في الدنيا ، قال تعالى : « إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسنَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنهُ سَمِيعَام بَصِيرًا إِنَّا هَدَيْنهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا » « 3 » .
هامش
( 1 ) . مريم ( 19 ) : 31 . . ( 2 ) . وللمزيد راجع : لسان العرب ، ج 6 ، ص 153 ( عيس ) . . ( 3 ) . الإنسان ( 76 ) : 2 و 3 . .