تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 90

مساهمون:

ص٩٠
فالأمشاج : المختلطات من أمور وموادّ ، « 1 » والابتلاء يكون بإعطاء العقل المميّز المدرك عن طريق السمع والبصر ، ثمّ أيّد ذلك بإرسال الرسل والكتب ، وهو الهداية إلى السبيل ، هذا هي الدنيا . وأمّا الآخرة فهي الدار الأخرى والزمان بعد هذا الزمان ، يستنتج فيها ويحصد ما أودعه الإنسان في نفسه في هذه الدنيا ؛ فإنّ كلّ ما اعتقده من العقائد ، واتّصف به من الصفات والملكات ، وعمله من الأعمال في دنياه ، لها تأثير خاصّ في النفس ، وتوجد فيها حالات تظهر نتاجها في الآخرة ، وتتّصف الروح بها في تلك الدار ، وكما لا يمكن ظهور البذور المودعة في الرحم قبل الخروج عنه ؛ إذ ليس في المحلّ المزروع وفي محيط الرحم قابلية تلك التنمية والرشد والتكامل والظهور ، فكذا لا يمكن اتّصاف الروح بما اقتضته الأخلاق والأعمال إلّابعد خلع هذا البدن وطرح هذا اللباس ، ثمّ الخروج عن هذا المحيطى غير القابل ؛ ليظهر صفات الروح في بدن آخر يناسب تغيّرها وتبدّلها وصفاتها . وذلك كما في القالب المثالي في بعض النفوس ، وهي التي تكون حيّة متنعّمة أو معذّبة في البرزخ ، أو في البدن الدنيوي الذي قد صوّر في القيمة وسوّي بنحو يدوم ويبقى ولا ينعدم ولا يفنى ، وذلك لعدم إمكان ظهور نتائج العقائد والأعمال في هذه الدار الصغيرة الفانية المنصرمة ، وكيف يعقل ظهور نتائج الأعمال الدنيوية الحسنة التي لا يمكن ترتّبها إلّافي آلاف من السنين ، أو الأعمال السيّئة التي هي كذلك . ثمّ ليعلم أنّ إنتاج القوى المودعة في الدنيا في عالم الآخرة قد يكون بنحو العلّة التامّة غير القابلة للانفكاك ، كما في إنتاج الإيمان والكفر والشرك وسائر العقائد
هامش
( 1 ) . الأمشاج : جمع المشج - بفتح الميم ومثلّثة الشين - والمشيج ، وهو كلّ لونين اختلطا ، وقيل غير ذلك . وقال الزمخشري : الأمشاج مفرد ، لا يصحّ أن يكون تكسيراً لمشج ، بل هما مثلان في الإفراد ؛ لوصف المفرد بهما . والمعنى : من نطفة قد امتزج فيها الماءان ، أو من نطفة هي مختلطة بماء المرأة ودمها . راجع : لسان العرب ، ج 2 ، ص 367 ( مشج ) ؛ الكشّاف ، ج 4 ، ص 666 . .