في موارد من الكتاب الكريم ، قال تعالى : « وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحنَهُو بَل لَّهُو مَا فِى السَّموَ تِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَّهُو قنِتُونَ بَدِيعُ السَّموَ تِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُوكُن فَيَكُونُ » « 1 » ؛
وقال تعالى : « إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَىْءٍ إِذَآ أَرَدْنهُ أَن نَّقُولَ لَهُو كُن فَيَكُونُ » « 2 » ؛
وقال تعالى : « إِنَّمَآ أَمْرُهُو إِذَآ أَرَادَ شَيًا أَن يَقُولَ لَهُو كُن فَيَكُونُ » « 3 » .
فإن قيل : إنّ لازم ما ذكرت كون كلّ شيء من الموجودات كلمة اللَّه تعالى ، وهو اصطلاح غير مأنوس ، مع أنّه لا يكون ذلك حينئذ مدحاً لعيسى بن مريم ؛ لأنّ كلّ موجود كذلك ، وظاهر الآية كونها في مقام مدحه والتبشير بوجود ولد متّصف بهذا الوصف .
قلنا : لا إشكال في كون كلّ شيء كلمة اللَّه تعالى بهذا المعنى ، وأمّا كون ذلك مدحاً لعيسى فلأجل تكوّنه على خلاف الطريق المعتاد في خلق الإنسان وحصول ذلك بنفخ من الملك ، لا بالنكاح والزواج ، وهذه فضيلة خاصّة به ليست في غيره .
ثمّ إنّ ما ذكرنا من معنى كلمة « الإيجاد » وتطبيق الآيات السابقة عليه مبنيّ على ما ذكره بعض المفسّرين في تلك الآيات ، « 4 » لكن فيه ما لا يخفى ؛ إذ يصعب الالتزام بأنّ خلق كلّ شيء من الأشياء لا يحصل إلّابكلمة « كن » ، وما هو معنى تكلّمه تعالى بهذه الكلمة ؟ فإنّ كلامه عبارة عن خلق الصوت ، فما الحاجة إلى خلق الصوت عند خلق الأشياء ؟ مع أنّه يلزم خلق صوت آخر عند خلق هذا الصوت وهكذا فيلزم التسلسل .
فالأولى أن يقال : إنّ قوله تعالى : « أنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ » لبيان أنّه تعالى أبى أن يجري الأمور إلّابالأسباب ، فإدراج كلمة « كن » في المقام لبيان أنّه إذا أراد شيئاً هيّأ أسبابه وأوجدها فيوجد المسبّب ، أو لبيان أنّ اللَّه إذا أراد شيئاً أوجده بأيسر نحو يتصوّر في
هامش
( 1 ) . البقرة ( 2 ) : 116 و 117 . .
( 2 ) . النحل ( 16 ) : 40 . .
( 3 ) . يس ( 36 ) : 82 . .
( 4 ) . للتعرّف للأقوال في المسألة راجع : التبيان ، ج 1 ، ص 431 - 433 ؛ مجمع البيان ، ج 1 ، ص 368 و 369 ، ذيلالآية 117 من البقرة ( 2 ) . .