ويؤيّده وقوع السؤال منها بنحو توجيه الخطاب إلى اللَّه تعالى دون الملائكة ، فسألت عن أنّه كيف يمكن حصول الولد مع عدم زوج لها ؟ ولا يناسب هذا سياق الآيات الواقعة في سورة مريم وإن كان اللازم حينئذ القول بتكرّر وقوع السؤال منها عن كيفيّة التولّد مع عدم مساسها بشراً .
وبالجملة مقتضى ظاهر الآيات هنا وهناك أنّ مجيء الملائكة للبشارة وقع في وقت ، ومجيء الرسول الواحد لتنجيزه البشارة وقع في وقت آخر مع فصل زمان بينهما غير معلوم المقدار .
ثمّ إنّه تعالى قد عدّ لعيسى من الأوصاف والأفعال ثمانية عشر أمراً ، « 1 » والظاهر أنّ الجميع ممّا أخبرت بها الملائكة مريم ، فبعضها قبل استعجابها عن حال تلك الولادة وبعضها بعده ، وهي عبارة عن الأمور التالية :
1 . الكلمة ؛ 2 . المسيح ؛ 3 . عيسى بن مريم ؛ 4 . الوجيه في الدنيا ؛ 5 . الوجيه في الآخرة ؛ 6 . من المقرّبين ؛ 7 . يكلّم الناس في المهد ؛ 8 . يكلّمهم كهلًا ؛ 9 . من الصالحين ؛ 10 . يعلّمه اللَّه الكتاب والحكمة ؛ 11 . الرسول إلى بني إسرائيل ؛ 12 . يصوّر الطير ويحييه بالنفخ ؛ 13 . يبرئ الأكمه ؛ 14 . يبرئ الأبرص ؛ 15 . يحيى الموتى ؛ 16 . ينبئ بما يأكلون ويدّخرون ؛ 17 . مصدّق لل توراة ؛ 18 . محلّل بعض ما حرّمه اللَّه من قبل .
وذكر المفسّرون في إطلاق الكلمة عليه وجوهاً « 2 » لا يخلو أكثرها من النظر بل التعسّف ، ويمكن القول بأنّ المراد بها هو ما ذكرناه آنفاً في ذيل الآية 39 بأنّ عيسى كلام إلهيّ وكتاب تكوينيّ ناطق ، وإنجيله كلام إلهيّ صامت فهو كلمة اللَّه ، أي كلامه ، وقد سمعت تقريب كونه كلاماً .
ويمكن أيضاً كون المراد أنّه المتولّد بكلمة اللَّه ، أي كلمة الإيجاد ، وهي قوله تعالى :
« كُنْ » إذا شاء إيجاد شيء ، وقد بيّن تعالى كيفيّة إيجاد الأشياء وحصولها بكلمة « كن »
هامش
( 1 ) . عدّها اللَّه عز وجل ضمن الآيات 45 - 50 من آل عمران ( 3 ) . .
( 2 ) . راجع : التبيان ، ج 2 ، ص 462 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 750 ؛ مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 221 ؛ البحر المحيط ، ج 3 ، ص 152 ؛ المنار ، ج 3 ، ص 304 و 305 ، ذيل الآية المذكورة . .