تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 85

مساهمون:

ص٨٥
به كلّه من عند اللَّه ؛ فإنّ أهل الكتاب كانوا مقرّين بأنّه صلى الله عليه وآله لم يقرأ الكتاب ولم يرو الأخبار عن أحد ، إذاً فيكون الجميع عندهم أيضاً من الغيب الذي ألقاه اللَّه إليه . « 1 » إن قلت : كيف يمكن دعوى اعترافهم بذلك ، مع ما حكى اللَّه عنهم في قوله : « وَقَالُواْ أَسطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِىَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا » « 2 » وفي قوله : « وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلّمُه‌ُو بَشَرٌ لّسَانُ الَّذِى يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِىٌّ وَهذَا لِسَانٌ عَرَبِىٌّ مُّبِينٌ » « 3 » ؟ قلت : الآيتان مكّيّتان ، « 4 » نقل فيهما افتراء المشركين على النبيّ صلى الله عليه وآله ، ولم يعلم القول به من أهل الكتاب الذين عاصروا النبيّ في المدينة في زمان نزول الآية المبحوث عنها ، بل الظاهر أنّهم كانوا يعلمون عدم قراءة النبيّ الكتب وعدم أخذه العلم عن أحد ؛ فإنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم ، وكانوا يعلمون أنّه صلى الله عليه وآله لم يأخذ ذلك من كتبهم أيضاً ؛ فإنّ غالب ما ذكره اللَّه من القصص لم يوافق كتبهم المحرّفة ، أو لم يكن موجوداً في كتبهم ، مع أنّه تعالى في الآية الثانية قد ردّ عليهم بأنّ لسان الذين نسبوا تعليم النبيّ إليهم أعجميّ ، والقرآن عربيّ مبين ، فكيف يمكن أخذه العلم منهم ؟ وقوله : « وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ » إلى آخره ، الأقلام هنا هي القداح المبروءة للقرعة ، فكانوا يلقونها في النهر القليل الماء ، فمن رسخ قدحه في الطين نال مطلوبه ، أو كانوا يلقونها في ظرف أو كيس ، فيخرجونها على الترتيب ، والظاهر أنّ اختصامهم قبل أن تصل النوبة إلى الاقتراع ، ويحتمل أن يكون بعده في اتّهاب بعض حقّ الآخر ونحو ذلك .
هامش
( 1 ) . راجع : الكشّاف ، ج 1 ، ص 363 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 747 ؛ جوامع الجامع ، ج 1 ، ص 174 ؛ أنوار التنزيل ، ج 2 ، ص 17 ؛ البحر المحيط ، ج 3 ، ص 150 ، ذيل الآية 44 من سورة آل عمران ( 3 ) . . ( 2 ) . الفرقان ( 25 ) : 5 . . ( 3 ) . النحل ( 16 ) : 103 . . ( 4 ) . اقتباس من الآية 146 من البقرة ( 2 ) ، و 20 من الأنعام ( 9 ) ، وهي قوله تعالى : « الَّذينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَه‌ُكَما يَعْرِفُونَ أبْناءَهُمْ » . .