تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 84

مساهمون:

ص٨٤
محرابها ، وتكلّم الملائكة معها . وأمّا الاصطفاء الثاني فالظاهر أنّ المراد به حملها بعيسى وولادتها بنحو غير معتاد ، أي بلا زوج ، وهي في هذه الفضيلة مفضّلة على جميع العالمين . فالآية مسوقة لبيان وصف طهارتها واصطفائها في نفسها مع قطع النظر عن المقايسة بغيرها واصطفائها بالنظر إلى مقايستها بغيرها ، والاصطفاء الأوّل والتطهير المذكور قد حصلا متقارنين في أزمنة عمرها ، والاصطفاء الثاني متأخّر ، فتقديم أيّهما لا بأس به . وقوله : « يمَرْيَمُ اقْنُتِى لِرَبّكِ وَاسْجُدِى » إلى آخره . القنوت : الطاعة المقرونة بالخضوع ، والسجود هنا بمعناه المصطلح الشرعي ، والركوع الصلاة ، فأمرتها الملائكة بالطاعة للَّه‌مطلقاً ، ثمّ بالفرد الخاصّ منها ، ثمّ بالفرد الأكمل ، وهو الصلاة مع العبّاد وفي زمرتهم ، أو بإقامة الصلاة جماعة . وقوله : « ذَ لِكَ مِنْ أَم‌نبَآءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ » إلى آخره . ذكر تعالى بعد بيان أنّ اللَّه اصطفى آدم ونوحاً إلى آخره ، قصصاً أربعاً : إحديها قصّة حنّة امرأة عمران وبيّنها في آيات ثلاث ، « 1 » وثانيتها قصّة زكريّا وأتمّها في أربع آيات ، « 2 » وثالثتها قصّة مريم وأوضحها في خمس آيات ، « 3 » ثمّ أشار إلى قصّة عيسى في عشر آيات ، « 4 » ثمّ إنّه تعالى بعد ما حكا شيئاً يسيراً من حال مريم ، بيّن لنبيّه صلى الله عليه وآله أنّ الأنباء المذكورة من قبيل الغيب الذي لم يطّلع عليه أحد في عصره ، وأوحاه اللَّه تعالى إليه ، وأشار في ضمن هذا البيان إلى شيء من حالات مريم في صغرها وأنّ العبّاد أو سدنة البيت « 5 » قد اجتمعوا ، فتنازعوا في تكفّلها حتّى آل أمرهم إلى الاقتراع ، فأصابت القرعة زكريّا . ثمّ إنّه قد يقال : إنّ المراد بنفي حضور النبيّ صلى الله عليه وآله عند تلك الواقعة إثبات أنّ ما يخبر
هامش
( 1 ) . هي الآيات 35 - 37 من آل عمران ( 3 ) . . ( 2 ) . هي الآيات 38 - 41 من آل عمران ( 3 ) . . ( 3 ) . هي الآيات 42 - 46 من آل عمران ( 3 ) . . ( 4 ) . هي الآيات 47 - 55 من آل عمران ( 3 ) . . ( 5 ) . سدنة البيت خدمتها ، جمع السادن ، وهو الخادم . وسدانة البيت هي خدمتها وتولّي أمرها ، وفتح بابها وإغلاقه . راجع : النهاية ، ج 2 ، ص 355 ( سدن ) . .