تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 689

مساهمون:

ص٦٨٩
هذا ، وتقريب معنى الآية على المعنى الثاني هو أنّه لا إشكال في مماثلة عيسى لآدم على هذا القول في التكوّن من تراب وغذاء ونطفة وعلقة إلى الولادة فما بعدها ، ولا إشكال أيضاً في أنّ اللَّه قد وهب لعيسى العقل والعلم والإدراك ، أو وهب تلك الأمور مع النبوّة في أوائل تولّه على نحو الإعجاز والخرق لناموس التكوين ، وآدم أيضاً كذلك في العقل والعلم ، أو العلم والنبوّة . فوجه التشبيه في الآية هو المماثلة في الخلقة والعلم ، ومعنى قوله « كُنْ » ، أي كن عاقلًا عالماً ، أو عالماً نبيّاً . إن قلت : على هذا فإنّ عيسى يكون مشابهاً في الخلقة لكلّ فرد من أفراد الناس ، فما هي الفائدة في تخصيص آدم هنا ؟ ثمّ ما هو الوجه في هذا التشبيه ؟ قلت : الوجهُ في ذكر الخلقة من التراب حينئذ كونُه توطئة للتشبيه المقصود بالأصالة ، مع الإشارة إلى بطلان ما ارتكز في أذهانهم من كون خلق عيسى وتكوّنه قد وقع على غير طريق السنّة الإلهية في خلق الإنسان ، بل وما ارتكز لديهم من كون آدم أيضاً كذلك . فحاصل معنى الآية حينئذ أنّ عيسى مثل آدم ، فكما أنّه تعالى بعد ما خلق آدم من التراب ، كسائر أفراد الأناسيّ ، نفخ فيه روح العقل والعلم ، أو العلم والنبوّة بنحو الإعجاز ، فكذلك عيسى نفخ فيه روح العقل والعلم ، أو العلم والنبوّة ، ولعلّه كان بعد تولّده وفي حال طفوليّته ، فتخيّل أنّ عيسى مخلوق إعجازي خارج عن سنّة التكوين غيرصحيح ، وتخيّل أنّ علمه ونبوّته سبب لربوبيّته منقوض بآدم . هذا غاية تقريب الآية على مذهب التكامل ، ذكرناه وقرّبناه كذلك دفعاً لمنافاة الآية لهذا القول لو فرض ثبوته على نحو القطع ، فلايرتاب القائلون به في الكتاب الكريم ، كما وقع ذلك بالنسبة إلى التوراة والإنجيل .

[ ذكر الأخبار الدالّة على القول الأوّل ]

ومنها : الأخبار الواردة في كيفيّة خلق آدم الصفيّ وزوجه ، الدالّة على القول الأوّل : ففي البحار ، المجلد 11 نقلًا عن العيون « 1 » ، عن الحلبي ، عن أبي عبد اللَّه عليه السلام قال :
هامش
( 1 ) . بل نقله عن علل الشرايع ، ج 1 ، ص 14 ، الباب 10 ، ح 1 . .