تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 688

مساهمون:

ص٦٨٨
الفخّار ، أي خلق الإنسان كما يخلق الفخّار ، فكما أنّ التراب يصبّ عليه الماء فيصير طيناً ، ثمّ يجعله صنّاع الفخّار في طريق التسوية ، فيصوّره بأيّة صورة وَأيّ لون شاء وأراد ، فكذلك مزج اللَّه التراب بالماء فصار طيناً لازباً ، فجعله في سبيل التسوية حتّى صيّره إنساناً كاملًا . فالآية لا تكون دليلًا على القول الأوّل ، كما لاتدلّ على الثاني أيضاً ، بل هي حينئذ مجملة من هذه الجهة ، محتملة لكلا القولين . ومنها : آيتنا المبحوث عنها ، وهي قوله تعالى : « إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ » . « 1 » وهي أقوى ما استدلّ ، أو يمكن الاستدلال به على القول الأوّل ، وتقريب الاستدلال بها على هذا القول هو أنّ ظاهر الآية الشريفة أنّ آدم خلقه اللَّه من تراب ، أي صوّره منه ، ثمّ قال له : كن إنساناً حيّاً ، فصار كذلك ، وهذا هو المطلوب . ويمكن أن يورد عليه أنّه على هذا يحصل الإجمال في التشبيه ؛ فإنّنا بعد ما علمنا بأنّ عيسى لم يخلق من التراب ابتداء ، كخلق آدم ، بل هو مخلوق في الرحم من نطفة وعلقة حتّى صار جنيناً ، ثمّ وليداً - كما استظهرناه سابقاً - فلا يبقى معنى حينئذ لتشبيه عيسى بآدم ، مع كون ظاهر الكلام أنّ وجه المشابهة بينهما هو الخلق من التراب ، المستفاد من قوله : « خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ » إلى آخره ، وأنّ الأمر بالتكوّن والوجود موجّه إليه .

[ تقريب الآية على مذهب التطوّر والتكامل ]

وقد ذكروا في مقام الإجابة عن هذا أنّ وجه الشبه هو لازم عملية الخلق ، وهو كونها من غير وساطة الأب والامّ ، ويكون حاصل معنى الآية أنّ عيسى كآدم في عدم تولّده من أب ، وحيث كان الكلام في مقام الردّ على النصارى والذين كانوا يعتقدون بالوهيّة المسيح على نحو من الأنحاء الثلاثة التي أشير إليها في آيات الكتاب الكريم « 2 » ، كان هذا جواباً لهم بالنقض ، وأنّه لو كان عدم الأب للمسيح موجباً لربوبيّته ، للزم كون آدم أيضاً ربّاً وإلهاً .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 59 . . ( 2 ) . النساء ( 4 ) : 171 ؛ المائدة ( 5 ) : 73 . .