مفروضي الوجود كالحاضرين ، فيشمل الخطاب آدم وحوّاء ومن بعدها .
وحينئذ فلا بأس بأن يراد من النفس الواحدة ما ذكروه من الموجودات الحيّة الأوّلية المسمّاة بالسلّول أو الخلايا ؛ فإنّها نفس واحدة تكوّنت الأحياء جميعها منها ، فتركّبت وتكثّرت ، فتصوّرت بصورة نوع ونوع إلى أن صار إنساناً .
ثمّ إنّ المنشأ من تلك النفس والأنواع المتبادلة المتولّدة منها ، كان مختلفاً من حيث البقاء ، فمنه - أي من المنشأ الواقع في طريق التكامل - ما كان مستمرّاً ثابتاً في عصور تعدّ بالملايين ، ومنه ما كان سريع الانقضاء والانقراض .
فمعنى الآية الشريفة : أنّكم مخلوقون من النفس الواحدة ، إلّاأنّ من أنواعكم المتبادلة من قد استقرّ على وجه الأرض برهة طويلة ، ومنها من بقي محدوداً موقّتاً مستودعاً ، فاسم الفاعل مستعمل في الموردين في الماضي ، ولا بأس به .
وليس الغرض دعوى صراحة الآية ، أو ظهورها في هذا المعنى ، بل المدّعى أنّها ليست بظاهرة في المعنى الأوّل بالخصوص ؛ لتكون دليلًا عليه ، كما هو مقصود الخصم ، فنهاية الأمر أنّها لا ظهور لها في أحد المعنيين بالخصوص ، فلايصحّ الاستدلال بها عليه ، بل هي قابلة الانطباق على كلا القولين .
فدعوى ظهورها في الأوّل نشأت من انس الذهن به ؛ للشهرة الخارجية ، مع أنّهم اختلفوا في تفسير المستقرّ والمستودع ، فذهبوا إلى مالا يرتضيه الفهم السليم .
هذا مع أنّ هنا جواباً عن هذه الآية ، مشتركاً بينها وبين ما يسانخها ممّا سنذكره ، وهو أنّه لو سلّمنا كون المراد بالنفس الواحدة آدم وبزوجها حوّاء ، لم تكن الآيات منافية للقول بالتطوّر ؛ فإنّ القائل به أيضاً لا ينكر انتهاء نسب الموجودين من الأناسيّ إلى آدم وحوّاء ؛ فإنّ الظاهر أنّه - على هذا القول - بعد ما اصطفى اللَّه آدم بإعطائه العقل أو العلم ، بقي نسله العقلاء ، وتكثّروا ، وورثوا الأرض ، واستولوا عليها ، وانقرضت سلسلة غيره من أبناء نوعه ، إمّا لكونهم غير عقلاء ، فلم يقووا على دفع مزاحمات الحياة ، كأغلب الأنواع المتبادلة المنقرضة ، أو لأسباب اخر لا نعرفها ، كما يقال نظير ذلك في حقّ نوح النبيّ ، حيث يدّعى عدم بقاء المؤمنين الذين ركبوا معه الفلك ، وانقرض
تفسير مبسوط — صفحة 683
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦٨٣