إعطاء العقل - على احتمال - للإنسان ، وإطلاق الروح على العلم والمعارف الحقّة حسن صحيح ؛ فإنّ الروح هو مادّة الحياة ووسيلتها ، وهي على قسمين : روح الأجساد ، وهي التي تكون سبباً لحياتها ، وروح النفوس ، وهي العلوم والمعارف الدينية التي بها تحيا النفوس الإنسانية .
ولعلّ من هذا القبيل قوله تعالى : « وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا » « 1 » ؛ فقد اطلق هنا على الكتاب الكريم والدين والشريعة .
وقال : « يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » . « 2 »
وقال تعالى : « يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ » . « 3 »
وقال : « وَأَيَّدَهُم بِروحٍ مِنْهُ » . « 4 »
7 . ومنها : قوله تعالى : « هَلْ أَتَى عَلَى الإْنسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً إِنَّا خَلَقْنَا الإْنسَانَ مِن نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً » . « 5 »
كلمة « هل » للاستفهام التقريري ، فيؤول المعنى إلى قوله : « قد أتى على الإنسان » ، ولذا فسّرها عدّة من المفسّرين بمعنى « قد » .
وقوله : « لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً » ، أي كان شيئاً غيرمذكور ؛ لظهور كون النفي في الكلام متعلّقاً بالقيود المندرجة فيه ، فحاصل معنى الآية حينئذ أنّ هذا لنوع كان في برهة من أيّام الدهر شيئاً غيرمذكور ولا معروف ، فينطبق مفاد الآية على النوع الإنساني من أوّل أزمنة تشكّله بصورة بعد انقلابه عمّا قبله من النوع إلى أن صار معروفاً مذكوراً .
ثمّ الظاهر أنّ المراد بعدم كونه مذكوراً عدم ذكره عند الملائكة وفي الملأ الأعلى ،
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 52 . .
( 2 ) . غافر ( 40 ) : 15 . .
( 3 ) . النحل ( 16 ) : 2 . .
( 4 ) . المجادلة ( 58 ) : 22 . .
( 5 ) . الإنسان ( 76 ) : 1 - 3 . .