تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 673

مساهمون:

ص٦٧٣
البشر - هو الوصف المنسوب بعينه في آيات كثيرة إلى نوع الإنسان ، فتكون قرينة على كون المراد بالبشر هنا هو الإنسان ؛ أعني النوع والطبيعة لا خصوص آدم الصفيّ . فالآية على القول الثاني - ؛ أعني نظريّة التطوّر - أدلّ ، فيقرب انطباق معنى التسوية حينئذ على إجرائه في مسير التكامل حتّى ينتهي إلى الصورة الإنسانية ؛ ليتهيّا لنفخ الروح فيه بالمعنى الذي عرفت . 6 . ومنها : قوله تعالى : « الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الإْنسَانِ مِن طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِن سُلَالَةٍ مِن مَاءٍ مَهِينٍ ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُوحِهِ » « 1 » يمكن أن يكون المراد ببدء خلق الإنسان إلى آخره خلق آدم ، ثمّ تسويته وتصويره ، فتنطبق الآية على القول الأوّل ، وأن يكون المراد بدء خلقة كلّ كائن حيّ ، ثمّ إجراءه في طريق التكامل ، ثمّ تسويته بتصويره على صورة الإنسان ، ثمّ نفخ روح العقل فيه ، ولذا قال بعده : « وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَاْلأَبْصارَ وَاْلأَفْئِدَةَ » « 2 » إلى آخره . وهذا أولى ؛ لأنّه يقع حينئذ قوله : « ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ » في محلّه ؛ فإنّ المخلوق الابتدائي - من أيّ صنف أو نوع كان - يكون بقاؤه بواسطة التناسل والخلق من ماء مَهِين « 3 » - الذي أريد به المنيّ من كلّ حيوان - متدرّجاً في الكمال حتّى ينتهي إلى درجة التسوية . وهذا بخلاف الحمل على الوجه السابق ؛ فإنّه يلزم ذكر بقاء نسله بالتوالد من المنيّ قبل تسويته ونفخ الروح فيه . وبالجملة ، الآيات غير آبية - لو لم تكن ظاهرة - الانطباق على سير الإنسان في مراحله الثلاث أو الأربع : تكوّنه من الطين ، وبقائه بعده بالتناسل ، إلى أن يتصوّر بصورة الإنسان ، إلى نفخ الروح فيه ، ثمّ حاله بعد نفخ الروح فيه . وذكر كلمة « ثمّ » لبيان تحقق الفواصل الزمانية بين الحالات ، والسُلالة ما يستخرج من الشيء صفواً ، والماء المهين : منيّ الذكر والأنثى . والظاهر أنّ المراد بالسلالة حينئذ [ في ] الحيوانات المنويّة ، المتولّد منها الحيوان ، « إسپرماتوزوئيد » و « أوول » . فيقرب حينئذ كون نفخ الروح هنا عبارة عن إعطاء مقام النبوّة وعلم الأسماء ، أو
هامش
( 1 ) . السجدة ( 32 ) : 7 - 9 . . ( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 9 . . ( 3 ) . المَهِين : القليل الضعيف . لسان العرب ، ج 13 ، ص 425 ( مهن ) . .
تفسير مبسوط — صفحة 673 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى