المذهبية المتكوّنة عن الاختلاف في الكتاب .
فالضمير في كلمة « فِيهِ » الأولى راجع إلى الموصول المراد به أمور الدنيا ، وفي كلمة « فِيهِ » الثانية إلى الكتاب أو الحقّ ، كما يؤيّده ما بعدها من جملات الآية .
وعلى هذا ، فقوله تعالى : « وَإِن مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ » « 1 » بيان لحال الأمم بعد الاختلاف الأوّل ، وإشارة إلى عموم البعث ونزول الكتاب لكلّ قوم وامّة .
والآية الثانية : قوله تعالى : « وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْمِن رَّبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيَما فِيهِ يَخْتَلِفُونَ » . « 2 »
ظاهر الآية توافقها مع الآية السابقة في المرمى ، وأنّ المراد بوحدة الناس هو كونهم متروكين على مقتضى فطرتهم الأوّلية غيرمكلّفين بشريعة ، سواء أريد بالاختلاف فيها هو الأوّل ، أو الثاني على ما عرفت ، وإن كان الراجح في النظر إرادة الاختلاف الأوّل ؛ إذ لو كان المراد الثاني لكان التقدير :
« فبعث اللَّه النبيين بالكتاب والشرايع فاختلفوا » ،
إذاً فتنطبق الآية على ما انطبقت عليه سابقتها .
وعلى هذا يكون المراد بقوله : « وَلَوْلا كَلِمَةٌ » هو ما جرت عليه سنّة اللَّه تعالى من عدم إهلاكه امّة قبل أن يبعث إليهم رسولًا ، كما قال تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » . « 3 »
نعم لو كان المراد بالاختلاف اختلافهم في الكتاب والدين ، كان المراد به عدم تعجيل العقوبة والقضاء عليهم بلا إمهال ؛ فإنّه قد سبق منه تعالى الوعد بإمهال العاصين والمجرمين ، قال تعالى :
« وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا » « 4 » ؛
« فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً » « 5 » ؛
« وَلَوْ يُعَجِّلُ اللّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُم بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ » « 6 » ؛
هامش
( 1 ) . فاطر ( 35 ) : 24 . .
( 2 ) . يونس ( 10 ) : 19 . .
( 3 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 . .
( 4 ) . المزّمّل ( 73 ) : 11 . .
( 5 ) . الطارق ( 86 ) : 17 . .
( 6 ) . يونس ( 10 ) : 11 . .