حتّى لاتشوب الأوهام والأحلام « 1 » بما استفاده من الظواهر .
السادس : أنّ السبب في إجمال الكلام في بيان مرمى القائلين بالتطوّر ، هو أنّه ليس الغرض في المقام ذكر مذاهب القوم على التفصيل ، وبيان ما استدلّ كلّ طائفة على مذهبها من الحجج ، واختيار قول والاستدلال له بما يناسب المدّعى ؛ فإنّ لذلك أهلًا ومحلًاّ آخر ، فقد دوّن في هذا الموضوع تآليف كثيرة من علماء الطبيعة وغيرهم .
بل الغرض أخذ موارد الاتّفاق من مسائل البحث ، والإشارة إلى بعض موارد الخلاف ، ثمّ عرض ذلك على الكتاب الكريم ؛ ليظهر مايطابقه منها وما يخالفه .
إن قلت : إذا أخذت ما ادّعوا ثبوته جزماً ، وأقاموا عليه البرهان ، وثبت عندنا أيضاً حقّيّته ، فعرضته على كتاب اللَّه ، ثمّ وجدت الكتاب نافياً له ، حاكماً ببطلانه ، فماذا تصنع ؟ وكيف المخلص حينئذ عن العويصة ؟
قلت : كلّا ، لا يكون في كتاب ربّنا ما يخالف العقليّ القطعيّ ، ولا ما أثبتته المشاهدة والتجارب العلمية ، فإذا ثبت شيء من ذلك بنحو القطع ، فلا جرم نجد الكتاب موافقاً له ، غير مباين ولا مغاير ، غاية الأمر انكشاف جهلنا بالحال وخطائنا في الاستظهار ، لوكنّا ذاهبين إلى خلافه .
وهذا أمر هامّ خليق بالتوجّه إليه وإلفات النظر نحوه في نظائر المقام ، ألا ترى أنّ علماء الإسلام كانوا قبل ظهور علم الهيئة الحديث ، وإذعانهم بمسائل العلم القديم ، يستظهرون من الكتاب الكريم مسائله ، ويدّعون ظهور عدّة من الآيات فيها ، فلمّا ظهر العلم الجديد ، انكشف بطلان جمّ من مسائل القديم ، انكشف كون الظهور المقبول ناشئاً من قرائن خارجية وهمية ، وتبيّن وجود ظواهر أتمّ وأبين توافق مسائل العلم الجديد ؟
إن قلت : لو كان الأمر كما ذكرت ، لم يبق لنا وثوق واطمينان على الظواهر القرآنية ، وينسدّ باب الاستظهار ، ولا يمكننا الاستفادة منها ، فلابدّ في استنتاج كلّ حكم شرعي ، أو
هامش
( 1 ) . الأحلام : جمع الحُلم بمعنى الرؤيا . لسان العرب ، ج 12 ، ص 145 ( حلم ) . .