في أنواع النبات والحيوان ، لعلّه صار في العصور الأخيرة من الأمور المسلّمة عند جماعة من أرباب هذا القول وعند علماء الطبيعة ومعرفة الأرض ، إلّاأنّ كون الإنسان - ؛ أعني هذا النوع الخاصّ - مخلوقاً مستقلًاّ غيرمرتبط بتلك الأنواع ، أو كونه متّصلًا بها متحوّلًا منها .
وعلى التقدير الثاني ، كون النوع الأخير - الذي انقلب عنه إلى حالته الفعلية - هو القرد والسعدان ، أو غيره من الأنواع ، فذلك كلّه مختلف فيه في ما بينهم ، وغير مبرهن عليه عند الجميع .
وبعبارة أخرى : عندهم أصول مسلّمة قبلوها ، وفروع مختلف فيها لم يبرهنوا عليها ، وليس في الكتاب الكريم ما يضادّ المعلوم المبرهن عليه عندهم ، وما يخالف الأمر المجرّب لديهم ، وهو وجود التطوّر في النبات والحيوان غير الإنسان .
إذاً فلو دلّت الآيات على القول الأوّل في خلق الإنسان وآدم ، لم يكن عندهم ما يكون برهاناً على خلافه ، كما أنّه لو دلّت على القول الثاني ، كانت مؤيّدة لبعض ما ادّعوه في المقام .
هذا حال الكتاب الكريم ، وأمّا التوراة فحيث قد صرّحت بكيفية خلق الأشياء من النبات والحيوان والإنسان « 1 » ، ولكن بما يخالف ما انتهى إليه علماء الطبيعة من تجاربهم الكثيرة ، والتحقيقات العلمية في حال الأرض وما عليها من الآثار القديمة ، ومنها الفسائل الملقوطة من داخل الأرض وأجواف قشرتها الأعلى ، فلا جرم صار ذلك سبباً لإعراض أولئك العلماء عنها ، ثمّ رفض مذهبهم والإعراض عن دينهم بالكلّيّة .
الخامس : أنّ اللازم للمتتبّع ناشد الحقيقة « 2 » هو تخلية ذهنه عن مسموعاته المختلفة التي لاتساعده على البرهان ، وعمّا ألقته إليه الظنون والأوهام ، كما أنّ من اللازم عليه أن يتوجّه بكلّيّته إلى الكتاب الكريم خاصّة ، وإلى ماصحّ صدوره من أهل بيت الوحي
هامش
( 1 ) . راجع : الكتاب المقدّس ( العهد القديم ) ، ص 3 - 6 ، الفصل 1 و 2 من سفر التكوين . .
( 2 ) . ناشد الحقيقة : طالبها . راجع : لسان العرب ، ج 3 ، ص 421 ( نشد ) . .