تقويماً ، وهو وسائر الأنواع الحيوانية الموجودة بالفعل ، المنشعبة إلى شعب مختلفة ، والمتفرعة إلى فروع متمايزة ، كلّ ذلك يرجع إلى أصل واحد مشترك ، فالجميع آباء وأولاد وبنوا أعمام وأخوال .
وبالجملة ، كلّها أصول ترجع إلى الواحد ، وفروع تتولّد منها الكثرات ، وكان كلّ نوع سابق منها أقلّ أجزاء وأعضاء من لاحقه ، بسيطاً غيرمعقّد بالنسبة إليه ، ويسمّى هذا القول ب « ترانسفورميسم » ، أي القول بتغيّر الأنواع وتبدّلها .
وسبب ذلك التحوّل عند أرباب هذا القول هو التغييرات الحاصلة في وجه الأرض وقشرها الأعلى وفي شرائط حياة الحيوان الموجود فيه ، وأمور أخرى طبيعية تورث تغيّر النفوس الساكنة فيها ، كما تورث ذلك في جميع أنواع النباتات ، فيحصل التنازع في البقاء ، وينجرّ ذلك إلى الانتخاب الطبيعيّ ، وهو يقابل الانتخاب الصناعيّ الحاصل في النبات والحيوان إذا وقعاً تحت تأثير تربية الإنسان .
وتكون النتيجة بعد مضيّ برهة من الزمان هي تغيّر أشكال النبات وصور الحيوان ، وقد لوحظ ذلك وشوهد في النباتات والحيوانات الأهليّة المغايرة للوحشية في نوعها ، وليس ذلك إلّالتأثير التربية فيها ، فسمّوا ذلك بالانتخاب الصناعيّ .
فالعالم - أي عالم النباتات والحيوانات - يسير على وفق هذا القانون بلاتوقّف ، بل هو كالنهر الجاري ، لا يقف ، ولا يسكن .
[ تنبيهات هامّة ]
ثمّ إنّ من الأحرى قبل الخوض في الاستدلال بالآيات ، التنبيه على أمور :
الأوّل : أنّهم - بعدما قبلوا بهذه الدعوى وأنّ الإنسان ينتهي إلى الآباء الأقدمين من أنواع الحيوان - لم يقدروا على معرفة النوع الأخير المتولّد منه الإنسان ، والحلقة المتّصلة به من سلسلة الأنواع المتبادلة ، فادّعى بعضهم - كدارون ومن يحذو حذوه « 1 » -
هامش
( 1 ) . راجع : في ظلال القرآن ، ج 4 ، ص 2143 ، ذيل الآية 26 من سورة الحجر ( 15 ) ؛ موسوعة الفلسفة للبدوي ، ج 1 ، ص 473 و 474 ؛ الموسوعة العربية ، ج 9 ، ص 141 - 143 . .