فصارت إنساناً كاملًا تامّاً شاعراً مريداً مختاراً متكلّماً ناطقاً ، ثمّ خلق من جنسه زوجه حوّاء ، فتوالدا وتناسلًا وتكاثرا حتّى الآن ، فكلّ من يسمّى إنساناً فهو من نسلهما ، وهما أوّل الموجودين من هذا النوع المسمّى بالإنسان تارة وبالبشر أخرى ، قد كوّنهما اللَّه تعالى ، وأوجدهما وجوداً إعجازيّاً .
والظاهر أنّ هؤلاء قائلون بما يشبه هذا المقال في خلق سائر أنواع الحيوان ، فقد خلق اللَّه من كلّ نوع منها فرداً أوّليّاً من تراب وطين ، فأحياه بنفخ الروح فيه ، وخلق من جنسه زوجه ، فتوالدا حتّى كثرا . وهكذا الكلام في أقسام النباتات وأنواع الأشجار .
وبالجملة ، المخلوق الأوّل من كلّ من الإنسان ، بل وسائر أنواع الحيوان وجميع أقسام النباتات ، خلقه اللَّه تعالى بنحو الإعجاز والإبداع في التكوين - على ما نشاهده اليوم - من غير جري على سنّة التدرّج في الخلقة ، ثمّ تكوّن وتحقّق سائر الأفراد بنحو الجريان على قانون الحياة الفعلية والسنّة الجارية الإلهية من تولّد الحيوان من نطفة وعلقة ومضغة ، ونموّ النباتات بانفلاق الحبّة وخروج النبت ، ولم يتولّد من كلّ نوع إلّا أفراد ذاك النوع وأشخاصه .
وعلى هذا القول ، فهذا العالم - أي عالم النبات والحيوان - عالم ساكن راكد غيرمتحوّل ولامتغير ، بل هو باق على حاله منذ خلقه اللَّه إلى يومنا هذا وإلى الأبد ، أو إلى ماشاءاللَّه ، ويكون بقاؤه بتولّد الأولاد من الآباء والامّهات متسلسلين متناسلين ، فلم يحصل تغيير في كيفيّة النوع بما هو نوع وكميّة الأفراد حسبما تقتضيه صروف الأزمنة وتبادل الأمكنة واختلاف الليل والنهار والحرارة والبرودة ، كاختلاف أصناف الإنسان في اللون ونحوه بحسب الظروف والأمكنة المختلفة .
كما أنّه على هذا يكون كلّ نوع من أنواع الحيوان وأصناف النبات قسماً مستقلًاّ غيرمرتبط بالقسم الآخر ولا متحدّر منه ، وهذا ما يسمّى ب « فيكسيسم » ، أي القول بالثبوت والبقاء وعدم التغيّر .
تفسير مبسوط — صفحة 658
مساهمون: الشيخ علي المشكيني
ص٦٥٨