ولعلّ ذلك من جهة الإشكال المشهور المعنون في علم الأصول من أنّ النسخ مستلزم للجهل ، وتعالى ذلك عنه .
وقد أجيب عن ذلك بأجوبة ، وبرهن على إمكانه بل وجوبه ولزومه ، وعلى هذا الوجه فمعنى قوله تعالى : « يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ » تنزيل لدعواهم بمنزلة دعوى غلّ اليد .
وإمّا لأنّهم قد قحطوا ، وتلفت عنهم السماء ، فضاقت عليهم معيشتهم ، فلم يمطر السماء ، ولم تنبت الأرض . فأصابهم جَدْب « 1 » وبلاء ، فتكلّموا بذلك كناية عن عجز اللَّه ، أو بخله تعالى اللَّه عن ذلك علوّاً .
وإمّا لأنّهم قد سمعوا بعض الآيات القرآنيّة الدالّة على استنصار الربّ تعالى وطلبه الجهاد في سبيله والنصرة لدينه ، أو إيجابه الانفاق في سبيله ، أو استقراضه من عباده ، كقوله تعالى : « إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ » « 2 » ، « وَجاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهادِهِ » « 3 » « وَجاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ في سَبيلِ اللَّهِ » « 4 » ، « مَنْ ذَا الَّذي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً » « 5 » ، « أَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً » « 6 » وغير ذلك .
ثمّ إنّه يظهر من قوله تعالى : « يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » أنّ المراد أحد المعنيين الأخيرين .
وقوله : « غُلَّتْ أَيْديهِمْ » . إنشاء بداعي استحقاقهم للعذاب المشابه ؛ فإنّ مرجع دعواهم على الاحتمال الأوّل والثاني العجز ، وعلى الثالث البخل ، وعلى الرابع الفقر ، أو أنّ الكلام إخبار عن وقوعها في حقّهم ، فهم عجزاء وبخلاء وفقراء ، أو إخبار عن أنّ الغلّ سيقع بمعناه الحقيقي في حقّهم يوم القيامة وفي نار جهنّم ، فاستعمل الماضي ، وأريد المستقبل ، كقوله تعالى : « إذا وَقَعَتِ الْواقِعَة » « 7 » .
واللعن : الطرد ، وهو أيضاً إمّا إنشاء بداعي كونهم مبغوضين عند اللَّه ، مبعدين عن قربه تعالى ، أو إخبار عن الماضي ، أو المستقبل ، كالجملة السابقة عليها .
هامش
( 1 ) . الجَدْب : هو المحْل وزناً ومعنى ، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض . المصباح المنير ، ص 92 ( جدب ) . .
( 2 ) . محمّد صلى الله عليه وآله ( 47 ) : 7 . .
( 3 ) . الحجّ ( 22 ) : 78 . .
( 4 ) . التوبة ( 9 ) : 41 . .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 245 ؛ الحديد ( 57 ) : 11 . .
( 6 ) . الحديد ( 57 ) : 18 ؛ المزّمّل ( 73 ) : 20 . .
( 7 ) . الواقعة ( 56 ) : 1 . .