قلت : يتوجّه الإشكال إذا كان نزول الآيات وإتيان المعجزات لأجلهم خاصّة ومنحصراً بهم ، وليس كذلك ؛ فإنّ من حكمة اللَّه تعالى إنزال ما يهتدي به الناس ، وينتفع به الطباع المستعدّة ، ويصل به الإنسان إلى أيّ مرقى ممكن من مراقي الكمال ودرجات الإنسانيّة ولو كان ذلك سبباً لشقاء عدّة منهم بسوء اختيارهم ، وهذا كالماء الجاري ، أو المطر يجريه اللَّه في الأرض الميتة ؛ ليخرج به المرعى وجنّات من نخيل وأعناب ، ومع ذلك فهو سبب لحدوث النبات ذي الشوك ونموّ الخَضِر غير النافع .
قوله : « وَأَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ » . أيبين اليهود والنصارى ، أو بين اليهود بعضهم مع بعض ، ولازم بقاء تلك الحالة بينهما إلى يوم القيامة بقاء الطائفتين ، أو طائفة اليهود إلى القيامة ، أي نفخة الصور الأولى وأوّل أزمنة حدوث ذلك اليوم ، وقد مرّ أنّه يظهر من الآيات بقاؤهم تحت سيطرة الحكومة الإسلاميّة مع العمل بشرائط الذمّة . « 1 » قوله : « كُلَّما أَوْ قَدُوا ناراً لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ » . أيأشعلوا النار لها ، أخمدها « 2 » اللَّه تعالى ، والإيقاد إمّا بتهيئتهم مقدّماتها وتعاقدهم وتحالفهم في ما بينهم ، أو بينهم وبين المشركين ، وإمّا بالتجمّع والتعسكر والحملة على المسلمين .
ولعلّ من قبيل الأوّل ما أطفأها اللَّه بيد النبيّ الأعظم ووصيّه في غزوة خيبر وقتل اليهود وإجلاء « 3 » بني النضير وبني قَينُقاع وقتل بني قريظة واستيصال شَأْفَتهم ، « 4 » ومن الثاني وقعة الأحد وغزوة الخندق ؛ حيث تحزّبت فيها الأحزاب على إبادة « 5 » المسلمين
هامش
( 1 ) . الذمّة : العهد والضمان والأمان والحرمة والحقّ . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 221 ( ذمم ) . .
( 2 ) . يقال : حمدت النار ، أي ماتت فلم يبق منها شيء . قيل : سكن لهبها وبقي جَمْرها ، وأخمدتها بالألف . المصباحالمنير ، ص 181 ( خمد ) . .
( 3 ) . الإجلاء : الإخراج من البلد ، والمنع ، والطرد . راجع : الصحاح ، ج 6 ، ص 2304 ؛ النهاية ، ج 1 ، ص 291 ( جلا ) . .
( 4 ) . الشَأْفة : قرحة في القدم ، إذا قطعت مات صاحبها . والشأفة : الأصل . وشأفة الرجل : أهله وعياله . تاج العروس ، ج 12 ، ص 293 و 294 ( شأف ) . .
( 5 ) . الإبادة : الإهلاك . لسان العرب ، ج 3 ، ص 97 ( بيد ) . .