قوله : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » . قد عرفت أنّ مرجع كلامهم إلى دعوى البخل ، أو دعوى الفقر للَّهتعالى ، وحينئذ فلو كان المقصود من قوله : « بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ » ردّ الدعوى الأولى ، فالأمر ظاهر ؛ إذ معنى الكلام حينئذ أنّ له غاية الجود وكمال الفضل والإحسان ، فكيف يكون بخيلًا ! ؟ وذلك لدلالة تثنية كلمه « اليد » عليه .
وإن كان المراد ردّ الدعوى الثانية فالمقصود أنّه كونه جواداً غايته لا يمكن أن يكون فقيراً ، وهذا البيان مبنيّ على كون تثنية اليد كناية عن كمال الجود كما قلنا .
وقد يقال : إنّ معنى اليد النعمة ، وإتيانها تثنية لإفادة نعمة الدنيا والآخرة ، أو النعم الظاهرة والباطنة ، كقوله تعالى : « وَأسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظاهِرَةً وَباطِنَةً » « 1 » . « 2 »
ويقال أيضاً : إنّ المراد باليد القوّة والقدرة ، والمراد قدرته تعالى على اعطاء الثواب وإجراء العقاب . « 3 » وهذا لا يناسب كون الكلام جواباً عن إيراد البخل والفقر .
وقوله : « يُنْفِقُ كَيْفَ يَشاءُ » . وقد علم من الخارج من آيات الكتاب وغير الآيات أنّ إنفاقه وكيفيّة إنفاقه عبارة عن إعطائه كلّ موجود حيّ ما يستحقّه في حفظ حياته ودوام وجوده ، كالماء والهواء للنبات والشجر وسائر الحيوان ، والغذاء واللباس والمسكن ونحوها للحيوان والإنسان ، والعلوم والمعارف والحكم والبصيرة والإدراك للحيوان والجنّ والملك ؛ قال تعالى : « الَّذِي أَعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى » « 4 » ، وقال :
« الَّذي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذي قَدَّرَ فَهَدى » « 5 » .
ثمّ إنّ مراعاة حدّ الاستحقاق ومقدار الإعطاء وزمانه ومكانه ودوامه وانقطاعه داخل في كيفيّة الإنشاء ، فحاصل المعنى أنّ اللَّه ينفق - [ و ] هو المنفق - لكلّ شيء رزقه ، وأنّه هو العالم بكيفيّة الإنفاق من جميع الجهات ؛ فإنّه يعطي كلّ ذي فضل
هامش
( 1 ) . لقمان ( 31 ) : 20 . .
( 2 ) . نسب إلى القبل في التبيان ، ج 3 ، ص 579 . .
( 3 ) . نقل عن الحسن . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 581 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 378 . .
( 4 ) . طه ( 20 ) : 50 . .
( 5 ) . الأعلى ( 87 ) : 2 و 3 . .