تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 647

مساهمون:

ص٦٤٧
فضله ، « 1 » وكلّ شيء عنده بمقدار ؛ « 2 » « وَإنْ مِنْ شَيْءٍ إلاّ عِنْدَنا خَزائِنُهُ وَما نُنَزِّلُهُ إلاّ بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ » . « 3 » ثمّ إنّ كون هذا الكلام جواباً عن دعوى اليهود أنّه تعالى بعد إن أعرض عن دعواهم الباطلة بكلمة « بل » ، أثبت على نفسه الإنفاق على طبق مشيّته ، فعلم في ضمن هذا البيان العامّ أنّ المقصود أنّ منع المطر والسماء وإمساك النعمة والرخاء وإيجاد الجَدْب « 4 » والبلاء ليس للبخل عن الإحسان ، أو الفقر والفقدان ، بل لأجل إرادة أخذهم بمعاصيهم ، وأنّ الاستقراض من عباده أيضاً للامتحان والاختبار ؛ « لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ » . « 5 » قوله : « وَلَيَزيدَنَّ كَثيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْياناً وَكُفْراً » . الكثير منهم هم المعاندون الذين لم يقبلوا الدين ، ولم ينقادوا للحقّ ، والقليل منهم هم الذين آمنوا ، وقبلوا ، وأطاعوا . وإسناد زيادة الطغيان والكفر إلى ما أنزله اللَّه من الكتاب والمعجزات وسائر الأحكام الصادرة بلسان النبيّ صلى الله عليه وآله من قبيل إسناد المسبّب إلى شرطه مع وجود المقتضي ؛ فإنّ السبب الأصيل في ازدياد طغيانهم وكفرهم خبث سريرتهم وعنادهم وتعصّبهم الباطل ، وإلقاء الكلام الحقّ وإراءة المعاجز إليهم شرط لحصول المعلول ، فكلّما جاءت آية ، أو ظهرت معجزة ، ازداد لهم طغيان ، وتخطوا خطوة إلى الكفر والعصيان ، فحالهم كحال المريض ، كلّما ازدادوا من أكل الغذاء المفيد الصحيح ، ازدادوا مرضاً وضعفاً . إن قلت : إذا كان الأمر كذلك ، فما الداعي لإنزال الآيات إليهم وإظهار المعجزات لهم ؟ فهل ذلك إلّازيادة لشقائهم وخوضهم في الكفر والفسق ؟ وما النتيجة في ذلك ؟
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 3 من سورة هود ( 11 ) . . ( 2 ) . اقتباس من الآية 8 من سورة الرعد ( 13 ) . . ( 3 ) . الحجر ( 15 ) : 21 . . ( 4 ) . الجَدْب : هو المحْل وزناً ومعنى ، وهو انقطاع المطر ويبس الأرض . المصباح المنير ، ص 92 ( جدب ) . . ( 5 ) . الأنفال ( 8 ) : 42 . .