خسر إلّاالذين آمنوا ، « 1 » قال تعالى : « وَقَليلٌ مِنْ عِبادِيَ الشَّكُورُ » « 2 » .
[ بحث في إمكان وقوع المعصية عقلًا عن المعصوم عليه السلام ، لا وقوعه اختياراً ]
ثمّ إنّه قال الرازي في تفسيره ما هذا لفظه :
قال أهل العلم : هذه الآية تدلّ على أنّ الخطأ والنسيان جائزان على الرسول ؛ لأنّ اللَّه قال : « وَاحْذَرْهُمْ أنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ ما أنْزَلَ اللَّهُ إلَيْكَ » . « 3 » التعمّد في مثل هذا غير جائز على الرسول ، فلم يبق إلّاالخطأ والنسيان ، « 4 » إلى آخره .
ولا يخفى عليك أنّه ليس متعلّق النهي في قوله : « وَاحْذَرْهُمْ » الخطأ والنسيان في الافتتان ، بل متعلّقه الافتتان بالاختيار ، والنهي عن ذلك يدلّ على إمكان وقوع ذلك عقلًا ، ولا إشكال في إمكان وقوع المعصية عن المعصوم ، وإلّالما أمره اللَّه بأمر ، ولا نهاه بنهي ، ولسقط عنه التكليف ، ولما استحقّ الثواب والأجر على فعل الحسنات وترك السيّئات ، وكلّ ذلك خلاف المقطوع به .
فالصواب القول بالإمكان إلّاأنّا نقطع بعدم ارتكابه العصيان مع القدرة والاختيار ؛ لسموّ ذاته عن الجرأة على اللَّه وإلهام اللَّه الترك لو اتّفق له الغفلة والنسيان ، وذلك كالإنسان الذي يتمكّن من قتل نفسه بالسمّ وغيره مع عدم وجود دواعي القتل فيه ، لا يقتل نفسه بلا إشكال ، مع أنّ ذلك لا يخرج عن اختياره ، كيف ولا يزيد المعصوم من الإنسان عن اللَّه تعالى ؟ فإنّ الظلم في حقّه ممكن بالإمكان الذاتي ، وإلّالزم عجزه وإن لم يمكن وقوعاً ، فالآية غير دالّة على إمكان الخطأ والنسيان ، وغير ناظرة إليهما أيضاً ، بل على إمكان الفعل الاختياري .
قوله : « أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ . . . » . الاستفهام للتوبيخ ، وحكم الجاهليّة هو الحكمالمنشأ عن العقائد الباطلة والرذائل النفسانيّة من العصبيّة والعناد والتكبّر والجور
و
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 2 و 3 من سورة النصر ( 103 ) . .
( 2 ) . سبأ ( 34 ) : 13 . .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 49 . .
( 4 ) . تفسير الرازي ، ج 12 ، ص 14 . .