تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
الحيويّة ومعاشه الدنيويّة وحفظ وجوده ورفاه عيشه جعلًا تكوينيّاً بإيداع الشعور والإدراك فيه وهدايته إلى آماله .

[ الطرق إلى اللَّه تعالى بعدد أنفاس الخلائق ]

وإذا تأمّلت في حال الناس ظهر لك أنّ لكلّ فرد من الإنسان طريقاً يخصّه في كيفيّة حياته ، لا يُشابه طريق أحد من أبناء نوعه شباهة تامّة ، ولو كانا متّحدي الصنف في الشغل والأعمال والمهنة ، ويمكن القول بذلك حتّى في الشرعيّات ، فلكلّ أحد طريق خاصّ في الوصول إلى ربّه والقربى منه ، لا يتّحد مع طريق غيره ، ولذلك قيل : إنّ الطرق إلى اللَّه بعدد أنفس الخلائق . « 1 » الثاني : أنّ اللَّه تعالى جعل لكلّ ملّة من الملل طريقة دينيّة وشريعة إلهيّة متناسبة لحال أفرادها ، محدودة بحدود عقولها وتفكيرها واقتضاء زمانها ومكانها جعلًا تشريعيّاً بإرسال الرسل وإنزال الكتب وهداية العقول والإلهام في النفوس ، فيعلم من ذلك تعدّد الشرايع البشريّة ، وقد مرّ أنّ الدين واحد ، والشرايع متعدّدة . والظاهر أنّ المراد بالآية هو المعنى الثاني بقرينة ما بعدها . قوله : « وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً » . ليس المراد الوحدة النوعيّة ؛ لتحقّقها في المخاطبين بلا إشكال ، بل الوحدة من حيث الشريعة بأن ينزع للإنسان في عصوره المتسلسلة شريعة واحدة ، ويكلّفهم بالعمل بها ، ويكون بعث الرسل بنحو تترى « 2 » ؛ لحفظ تلك الشريعة ، فالمرسل الأول كالعلّة المحدثة للشيء ، والباقون كالعلّة المبقية ، حافظون ، راصدون ، مراقبون .
هامش
( 1 ) . معروف عند العرفاء . راجع : الفتوحات المكّيّة ، ج 2 ، ص 317 ؛ شرح فصوص الحكم للجندي ، ص 97 و 440 ؛ شرح فصوص الحكم للكاشاني ، ص 150 ؛ شرح فصوص الحكم للقيصري ، ص 296 ؛ جامع الأسرار ، ص 8 و 95 و 121 . . ( 2 ) . « تترى » ، أي متواترين ومتتابعين وتْراً بعد وتر - والوتر : الفرد - وواحداً بعد واحد ، أو متفرّقاً غير متواترين ، من‌التواتر أو المواترة ، وهو المتابعة مع فترات . راجع : لسان العرب ، ج 5 ، ص 276 ( وتر ) . .
تفسير مبسوط — صفحة 614 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى