الآثار شيء ، فدعوى عدم وجود شريعتين في عصر واحد قطعاً غير ظاهرة .
قوله : « فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ » . تفريع الكلام على سابقه ظاهر ؛ فإنّه قد ظهر أنّ اختلاف الشرايع إنّما هو لنيل الإنسان إلى كماله الممكن في مراحل وجوده ، فعليه أن يتقبّل ما شرّعه تعالى لهدايته وإيصاله إلى كماله ، فالمراد بالخيرات الخيرات في العقائد وأفعال الجوانح ، والخيرات في الملكات الفاضلة ، والخيرات في الأعمال الصالحة ، وغير ذلك من علوم وحكم وكمال لائق له .
قوله : « إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَميعاً » . أي مرجع اليهود والنصارى والمسلمين ، فينبّأ أهل كلّ ملّة وشريعة بسبب اختلافهم مع آخرين ، وأنّ الباقين على الشريعة المنسوخة مبطلون ، مسؤولون ومأخوذون ، معذّبون ، وهم اليهود بعد ابتعاث عيسى عليه السلام ، والجميع بعد ظهور الإسلام .
قوله : « وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ . . . » . هذا عطف على قوله « الْكِتابِ » ، والتقدير : وأنزلنا إليك أن تحكم بينهم ، والتكرار للتأكيد ، ولعلّه مقدّمة لقوله : « فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ . . . » ، أي إن أعرضوا عمّا دعوت إليه من الدين والكتاب وعمّا حكمت به في جواب سؤالهم أنّ اللَّه يريد أن يعذّبهم ويَفْجَعَهُمْ « 1 » ببعض أجرامهم ؛ فإنّ جزاء الجميع غير ممكن في الدنيا ؛ إذ منه ما يقتضي الخلود في النار ونحو ذلك .
ثمّ إنّ ما عذّبهم اللَّه به هو إهلاك عدّة من اليهود والنصارى بيد المسلمين وإجلاء « 2 » عدّة أخرى ، كبني نضير ، وغير ذلك من العذاب والنكال الواقع عليهم في الأزمنة المتأخّرة بعد النبيّ صلى الله عليه وآله إلى يومنا هذا .
قوله : « وَإِنَّ كَثيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ » . أي ليس الفسق والخروج عن الطاعة منحصراً بكثير منهم ، بل الناس جميعاً أكثرهم « 3 » خارجون عن طاعته ؛ فإنّ الإنسان لفي
هامش
( 1 ) . يقال : فجعه كمنعه : أوجعه ، كفجّعه تفجيعاً ، شدّد للمبالغة . تاج العروس ، ج 11 ، ص 334 ( فجع ) . .
( 2 ) . الإجلاء : الإخراج من البلد ، والمنع ، والطرد . راجع : الصحاح ، ج 6 ، ص 2304 ؛ النهاية ، ج 1 ، ص 291 ( جلا ) . .
( 3 ) . كذا في الأصل . .