تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 615

مساهمون:

ص٦١٥
لكنّ هذا المعنى لم يكن ولم يشأء اللَّه جعله ؛ لقوله تعالى : « وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ في ما آتاكُمْ » ، أي لم نجعلكم امّة واحدة متشرّعة بشرع واحد ، بل امماً كثيرة ، ولكلّ امّة شرع مشروع من قبله تعالى . وذلك ليمتحنكم ويختبركم في ما آتاكم ، وهل المراد بالموصول هي الشريعة ، أي لنختبر كلّ امّة بشريعته ، أو المراد به العقول والقوى البشريّة والاستعدادات الخاصّة الكامنة فيهم في جميع مراحل حياتهم الدنيويّة والاخرويّة ؛ لأنّها لا تخرج من الاستعداد إلى الفعليّة إلّابتعدّد الشرايع النازلة واختلافها في شتّى نواحي أحكامها وقوانينها الانفراديّة والاجتماعيّة العباديّة وغير العباديّة ؟ فلا يحصل الكمال الممكن للإنسان ورقاه إلى مراتبه اللائقة به والجديرة لنيله إلّا بالتعليم الإلهيّ والهداية الربوبيّة وتشريع القوانين وتقنين الشرايع ، فكلّما حصل له رقى من مرتبة إلى أخرى بمرور العصور بهداية قواهم الطبيعيّة وعقولهم الفطريّة ودلالة القوانين الإلهيّة ، لزم تشريع شرع آخر يناسب كماله ، وذلك كالصفوف المختلفة لدراسة الأطفال والأوادم « 1 » في المدارس التحصيليّة ، واختلاف الكتب والوظائف باختلاف الصفوف ، فلو عيّن للجميع وظيفة واحدة مع اختلاف الأفهام والدرجات ، لم يحصل الاختبار ، ولم يظهر جواهر الرجال ، « 2 » ولم تخرج الاستعدادات من القوّة إلى الفعليّة ، فاختبار ما آتى اللَّه الناس ومنحهم من القوى المستعدّة في العقول والإدراك وصفات النفس وحالات الروح والسعادة والشقاوة ، لا يحصل إلّابتشريع شرايع مختلفة لكلّ ملّة على مقتضى حالها . ولازم هذا التقرير اختلاف الشرايع باختلاف الأمكنة أيضاً ، كاختلافها بحسب الأزمنة ، إلّاأنّ المعلوم لنا وجود الاختلاف بتبادل الزمان ، وأمّا المكان فلم يظهر من
هامش
( 1 ) . الأوادم : جمع آدم . راجع : تاج العروس ، ج 16 ، ص 11 ( أدم ) . . ( 2 ) . اقتباس من كلام أمير المؤمنين عليه السلام : « في تقلّب الأحوال علم جواهر الرجال » . نهج البلاغة ، ص 507 ، الحكمة 217 . .